تستعد بغداد لدورة انتخابية جديدة تحمل في طياتها رهانات تتجاوز الشأن الداخلي إلى صميم الصراع الإقليمي على النفوذ. فإيران التي تواجه تراجعاً حاداً في حضورها الإقليمي عقب خساراتها المتتالية في غزة ولبنان وسوريا، ترى في الانتخابات العراقية المقبلة فرصتها الأخيرة لتثبيت موطئ قدمٍ ثابت في المنطقة.
لكنّ هذه الانتخابات تأتي في ظرف حساس يتّسم بمتغيرين أساسيين: تبدّل المزاج الشعبي العراقي تجاه طهران وحلفائها المحليين، وتصاعد الجدية الأميركية في كبح تمدد النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة العراقية.
طهران التي كانت لعقدين تمسك بخيوط القرار السياسي في بغداد عبر أحزاب وفصائل تدور في فلكها، تواجه اليوم تآكلاً في الثقة الشعبية وفتوراً داخل القوى الشيعية الحليفة نفسها. ويبدو أن الغضب المتنامي من التدخلات الخارجية، والانقسام الداخلي حول “حصرية السلاح”، وضعا النفوذ الإيراني أمام اختبارٍ غير مسبوق منذ عام 2003.
الانتخابات العراقية: أمل أخير لطهران
تتابع إيران الاستحقاق الانتخابي في بغداد بدقة، مدركة أن نتائجه ستحدّد مستقبل حضورها السياسي والأمني في بلاد الرافدين. فالعراق شكّل لعقود العمق الاستراتيجي الأهم لمشروعها الإقليمي، والمجال الحيوي لأمنها القومي، لكنّ التطورات الأخيرة أضعفت قدرتها على فرض شروطها السابقة.
انحسار نفوذها الإقليمي – مع سقوط نظام الأسد، وتراجع قوة حلفائها في غزة وبيروت وصنعاء – جعل العراق ورقة التعويض الوحيدة المتبقية لطهران. ومع ذلك، فإن واشنطن تتحرك هذه المرة بخطى أكثر وضوحاً، إذ تدفع باتجاه إعادة تشكيل التوازن السياسي في بغداد، مستفيدة من حالة الرفض الشعبي المتصاعدة للهيمنة الإيرانية.
المشهد الانتخابي نفسه يعكس الانقسام العميق: فانسحاب التيار الصدري من البرلمان بعد فوزه في انتخابات 2021 ترك الساحة مفتوحة أمام “الإطار التنسيقي” الموالي لطهران الذي رشّح محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة. أما هذه المرة، فيبدو أن الصدر ومناصريه يراهنون على المقاطعة كأداة لزعزعة شرعية العملية الانتخابية التي يرونها محكومة بالمحاصصة الطائفية والحزبية.
واشنطن تعيد تموضعها: من العقوبات إلى الحضور الاقتصادي
في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة مع الانتخابات كفرصة لإعادة بناء نفوذها في العراق، بعيداً عن النهج العسكري السابق. فالإدارة الأميركية تزاوج بين الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية والانخراط التنموي المباشر.
العقوبات الأخيرة التي استهدفت شركات وأفراداً عراقيين بتهمة مساعدة طهران على التحايل على العقوبات، جاءت موازية لاتفاقات كبرى في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والصحة مع الحكومة العراقية، في مسعى لتقوية روابط بغداد بواشنطن.
كما أن تعيين مبعوث خاص للرئيس الأميركي إلى العراق مثّل إشارة إلى تصاعد الاهتمام الأميركي بهذا البلد المفصلي في توازن القوى الإقليمية. وقد شدد المبعوث على ضرورة إنهاء ظاهرة الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، في رسالة واضحة بأن العراق يجب أن يتحرر من تأثير الميليشيات المرتبطة بطهران.
تركيا تدخل المشهد: دبلوماسية المياه والاقتصاد
في موازاة التنافس الإيراني – الأميركي، تتحرك تركيا بثبات لتعزيز حضورها في الساحة العراقية عبر البوابة الاقتصادية والبيئية. فقد مثّل الاتفاق الأخير بين بغداد وأنقرة بشأن إدارة موارد المياه تحولاً نوعياً في العلاقة بين البلدين بعد سنوات من التوتر بسبب بناء السدود التركية على نهري دجلة والفرات.
الطرفان توصّلا إلى تفاهم يُتوقع أن يشمل آليات لإعادة تنظيم تدفقات المياه، ومشاريع مشتركة للحفاظ على الموارد الطبيعية، ومراقبة مستمرة لضمان استدامة الإمدادات.
ويأتي هذا التقارب في سياق سياسة تركية جديدة تسعى إلى تحويل التعاون الاقتصادي إلى رافعة نفوذ سياسي، خاصة في ظل الانفتاح العراقي على الاستثمارات والبنى التحتية.
توقيت الاتفاق أيضاً لافت، إذ يأتي بينما يعاني العراق من أخطر موجات الجفاف في تاريخه الحديث، ما يجعل لأنقرة دوراً محورياً في إنقاذ قطاع الزراعة والحد من أزمة المياه. وبهذا، تتمكن تركيا من تحويل نفوذها المائي إلى ورقة ضغط ناعمة تعزز مكانتها في مواجهة التمدد الإيراني شمالاً وجنوباً.
ميدان صراع النفوذ: العراق بين ثلاث دوائر
بهذا المشهد المركّب، يتحول العراق إلى ساحة تنافس بين ثلاث دوائر نفوذ رئيسية:
- إيرانالتي تسعى للحفاظ على آخر معاقلها الإقليمية.
- الولايات المتحدةالتي تركز على احتواء طهران دون الانجرار إلى صدام مباشر.
- تركياالتي تملأ الفراغ عبر الاقتصاد والمياه والمشاريع الاستراتيجية.
وبين هذه الدوائر، يقف العراق أمام امتحان صعب في بناء سيادة مستقلة وقرار وطني متوازن، وسط مجتمع انتخابي فقد الثقة في جدوى صناديق الاقتراع بعد تجارب متكررة من الفساد والمحاصصة.
نحو مرحلة جديدة من التوازنات
الانتخابات المرتقبة لن تكون مجرد حدث ديمقراطي داخلي، بل مفصل حاسم في تحديد شكل التوازن الإقليمي المقبل. فاختيار رئيس الحكومة المقبل سيعكس اتجاه البوصلة السياسية في بغداد: نحو استمرار الارتباط بمحور طهران، أو نحو شراكة متوازنة مع واشنطن وأنقرة.
ومع أن إيران لا تزال تمتلك نفوذاً مؤسسياً في بعض مراكز القرار، فإن تغير المعطيات الميدانية والإقليمية، وتنامي التحالفات الاقتصادية الجديدة، يجعلها أمام تحدي الحفاظ على موقعها التاريخي في العراق الذي بات أكثر انفتاحاً على بدائل متعددة.

