دخلت إسطنبول، الخميس، مرحلة طوارئ جديدة بعدما ارتفعت حصيلة ضحايا الفيضانات إلى شخصين، إثر أمطار غزيرة اجتاحت أحياء واسعة من المدينة التي يقطنها نحو 16 مليون نسمة، وتسببت في غمر الشوارع والمنازل والمتاجر، وجرف السيارات، وتعطيل حركة النقل.
وأعلن والي إسطنبول داود غول أن فرق الطوارئ تمكنت من إنقاذ أكثر من 2700 شخص، بينما تواصلت عمليات الإجلاء والإنقاذ خلال الليل وفي عدد من المواقع المتضررة. وكانت السلطات قد أبقت فرقها في حالة استنفار لمواجهة تداعيات السيول، مع استمرار العمل على تأمين المباني وإعادة فتح الطرق التي غمرتها المياه.
ولم تقتصر آثار العاصفة على الأضرار المادية؛ إذ أظهرت الوفيات المسجلة خطورة التنقل في الشوارع المغمورة بالمياه، ولا سيما عندما تختلط السيول بمخاطر السقوط أو التماس الكهربائي. كما فرضت الأزمة ضغوطاً إضافية على خدمات الطوارئ والمرافق العامة في مدينة تعتمد حركتها اليومية على شبكة نقل كثيفة ومناطق عمرانية واسعة.
ضحيتان في حادثين منفصلين
سُجلت الوفاة الأولى مساء الأربعاء، عندما تعرض فتى يبلغ 14 عاماً لصعق كهربائي في حديقة بحي بالات التاريخي، الواقع في الجانب الأوروبي من إسطنبول. ووفقاً لمكتب الوالي، دخل الفتى منطقة تجمع للمياه، فنُقل إلى المستشفى فاقداً للوعي، لكنه فارق الحياة رغم محاولات إنقاذه.
أما الضحية الثانية، فهو رجل يبلغ 34 عاماً، توفي بعدما انزلق أثناء محاولته عبور شارع غمرته المياه في منطقة ساريير شمالي المدينة. وذكرت وكالة الأناضول الرسمية أنه ارتطم رأسه بحافة الرصيف، ولم يتمكن من الخروج من المياه. وسارع أشخاص كانوا في المكان إلى انتشاله، لكنه توفي لاحقاً في المستشفى.
وفتحت السلطات تحقيقين منفصلين في الحادثتين لتحديد ملابساتهما والمسؤوليات المحتملة. وتسلط الواقعتان الضوء على أن أخطار الفيضانات لا ترتبط فقط بقوة التيار المائي، بل تشمل أيضاً البنية الكهربائية في الأماكن العامة، والعوائق التي قد تحول دون خروج الأشخاص من المناطق المنخفضة.
عمليات إنقاذ وإيواء وإغلاق للمدارس
أوضح الوالي غول أن عمليات الإنقاذ كانت لا تزال جارية في 14 موقعاً، فيما بقي ثلاثة مصابين في المستشفى، وُصفت إصاباتهم بأنها غير مهددة للحياة.
وعملت فرق الطوارئ طوال الليل على إخلاء السكان من المباني التي غمرتها المياه. كما وفرت السلطات الإقامة في الفنادق والمرافق العامة للأشخاص الذين تعذر عليهم العودة إلى منازلهم بسبب الأضرار أو المخاطر المستمرة.
وامتدت الإجراءات الاحترازية إلى قطاع التعليم، إذ تقرر استمرار إغلاق المدارس حتى يوم الجمعة، لإتاحة المجال أمام الفرق المختصة لفحص المباني والتأكد من سلامة التمديدات الكهربائية وغيرها من مصادر الخطر قبل استئناف الدراسة.
وتعكس هذه التدابير أن التعامل مع الفيضانات لا ينتهي بانحسار المياه عن الطرق؛ فالمباني التي تعرضت للغمر قد تحتاج إلى فحوص فنية، كما أن عودة السكان والطلاب إلى الأماكن المتضررة تتطلب التأكد من سلامة المرافق والخدمات الأساسية.
كميات قياسية من الأمطار وضغط على البنية التحتية
بلغت كمية الأمطار في منطقة بيكوز، الواقعة في الجانب الآسيوي من إسطنبول، 242 مليمتراً، أي ما يعادل نحو 9.5 بوصة، وفق بيانات البلدية. وتعني هذه الكمية سقوط 242 لتراً من المياه على كل متر مربع من الأرض. كما سجلت مناطق أخرى هطولات قاربت 190 مليمتراً؛ إذ بلغت الكمية 190.5 مليمتراً في أيوب سلطان، و187.9 مليمتراً في ساريير. وصُنفت هذه المستويات ضمن الأعلى المسجلة في المدينة منذ عام 1985.
وأدى تدفق المياه إلى غمر الطرق والأنفاق والمحال التجارية والمساكن، وتعطيل حركة المرور، واحتجاز أشخاص داخل مبانٍ ومركبات. كما تجاوزت المياه مجرى أحد الجداول في منطقة كاغيتهانة، ما تسبب في غمر مسجد ومبانٍ مجاورة، فيما عملت فرق الإنقاذ على سحب المياه من أجزاء من مستشفى حميدية إتفال في ساريير.
وتكشف هذه الوقائع عن صعوبة التعامل مع الأمطار الغزيرة في مدينة تجمع بين الكثافة السكانية والامتداد العمراني الكبير والتفاوت في طبيعة التضاريس. فعندما تهطل كميات ضخمة خلال فترة قصيرة، قد تتجاوز المياه قدرة شبكات التصريف على استيعابها، خصوصاً في المناطق المنخفضة والطرق المحاطة بالأسطح الإسفلتية والخرسانية.
المطارات والنقل تحت ضغط الأحوال الجوية
امتدت الاضطرابات إلى حركة الطيران. وأفادت وزارة النقل والبنية التحتية التركية بأن 43 طائرة كانت متجهة إلى مطار إسطنبول حُوّلت إلى مطارات بديلة داخل تركيا وخارجها، بينما حُوّلت ثلاث طائرات متجهة إلى مطار صبيحة كوكجن نحو أنقرة، بسبب الظروف الجوية القاسية.
وتوقفت عمليات الإقلاع في صبيحة كوكجن مؤقتاً نتيجة الرياح الشديدة وتغير اتجاهها وسرعتها بصورة مفاجئة، قبل استئناف العمليات في وقت لاحق من مساء الأربعاء. وكانت تقارير أولية قد أشارت أيضاً إلى إلغاء رحلات وصول ومغادرة، في انعكاس لحجم الاضطراب الذي أصاب حركة النقل الجوي.
وعلى الطرق، لجأت السلطات إلى تدابير إضافية للحد من المخاطر، شملت منع الدراجات النارية وبعض المركبات ذات العجلتين من السير مؤقتاً، ودعوة السكان إلى تجنب التنقل غير الضروري، ولا سيما في المناطق القريبة من مجاري المياه ومواقع تجمع السيول.
كما أعلنت السلطات نشر نحو ثمانية آلاف عنصر، والاستعانة بألفي مركبة ومعدة، فيما تلقت الخدمات البلدية قرابة 6,937 بلاغاً عن حوادث ومشكلات مرتبطة بالطقس. وتوضح هذه الأرقام أن الأزمة لم تكن حادثاً محلياً محدوداً، بل ضغطاً واسع النطاق على خدمات المدينة ومرافقها.
تحذيرات من استمرار الأمطار
حذر الوالي داود غول من احتمال استمرار الأمطار يومين إلى ثلاثة أيام إضافية، مشيراً إلى أن التربة أصبحت مشبعة بالمياه، الأمر الذي قد يزيد مخاطر تجمع السيول والانهيارات المحلية حتى مع تراجع شدة الهطول.
ودعا السكان إلى الابتعاد عن المناطق المعرضة للفيضانات، وعدم دخول الشوارع المغمورة أو محاولة عبور مجاري المياه، مع توخي الحذر في الأقبية والمباني التي تسربت إليها المياه. كما تتطلب العودة إلى المباني المتضررة التأكد من سلامة التوصيلات الكهربائية والأنظمة الأساسية.
ولا تقتصر المخاطر في هذه المرحلة على استمرار المطر؛ فتشبع التربة يقلل قدرتها على امتصاص المزيد من المياه، فيما قد تظل بعض المنشآت عرضة للأعطال الكهربائية أو الأضرار الهيكلية بعد انحسار السيول. لذلك تظل عمليات الفحص والإجلاء الوقائي جزءاً أساسياً من الاستجابة، إلى جانب ضخ المياه وإعادة فتح الطرق.
المناخ والتمدن: لماذا تتكرر مخاطر الفيضانات؟
تأتي الفيضانات في سياق أوسع من المخاطر المناخية التي تواجه تركيا. ويشير البنك الدولي إلى تعرض البلاد لمخاطر مناخية متعددة نتيجة موقعها الجغرافي، وتوزع السكان، واعتماد قطاعات اقتصادية مهمة، بينها الزراعة، على الظروف المناخية.
وتوضح الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد قدرة الهواء على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يمكن أن يعزز شدة هطولات الأمطار الغزيرة في ظروف جوية معينة. وفي المدن، تزيد الأسطح الإسفلتية والخرسانية من سرعة جريان المياه على الأرض، بينما يرفع التوسع العمراني الضغط على شبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار.
ولا يعني ذلك أن تغير المناخ وحده يفسر كل فيضان؛ إذ تتداخل معه عوامل أخرى، مثل شدة العاصفة ومسارها، وكفاءة شبكات التصريف، وتخطيط الأحياء، وطبيعة مجاري المياه، ومدى الاستعداد للطوارئ. ومن ثم، يتطلب الحد من الخسائر الجمع بين أنظمة الإنذار المبكر، وصيانة البنية التحتية، وحماية مجاري المياه، وتحسين التخطيط العمراني، وتوعية السكان بالمخاطر.
اختبار للمناخ قبل مؤتمر COP31
تكتسب الفيضانات أهمية إضافية مع اقتراب استضافة تركيا مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «COP31»، المقرر عقده في مدينة أنطاليا بين 9 و20 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. ويجمع المؤتمر الحكومات والمفاوضين والخبراء وممثلي المجتمع المدني لمناقشة سبل مواجهة تغير المناخ وتعزيز تنفيذ الالتزامات الدولية.
وتضع الفيضانات إسطنبول أمام مثال عملي على التحديات التي تواجه المدن في التكيف مع الظواهر الجوية الشديدة. فالمؤتمرات المناخية تناقش الأهداف طويلة الأجل وخفض الانبعاثات والتمويل، لكن قدرة المدن على حماية السكان تعتمد أيضاً على قرارات يومية تتعلق بالبنية التحتية، وإدارة المياه، والاستجابة السريعة، وتوجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر.
وتشير التجربة الحالية إلى أن تقييم الاستعداد المناخي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الأضرار بعد وقوع الكارثة، بل يجب أن يشمل مدى قدرة المؤسسات على تقليل التعرض للمخاطر، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
ما بعد انحسار المياه
تكشف فيضانات إسطنبول عن تداخل ثلاثة تحديات: مخاطر الطقس المتطرف، وضغط الكثافة العمرانية على البنية التحتية، والحاجة إلى منظومة طوارئ قادرة على حماية السكان وتقليل الخسائر البشرية.
ومع ارتفاع الحصيلة إلى قتيلين وإنقاذ أكثر من 2,700 شخص، تصبح الأولوية المباشرة استمرار عمليات الإنقاذ، وتأمين المباني، وفحص شبكات الكهرباء، وضمان عودة السكان والطلاب إلى منازلهم ومدارسهم بأمان.
أما على المدى الأبعد، فسيكون التحدي في تحويل هذه التجربة إلى مراجعة عملية لخطط تصريف المياه والتخطيط العمراني والاستعداد المناخي. فالأمطار الغزيرة ظاهرة طبيعية، لكن حجم الأضرار التي تخلّفها يرتبط بدرجة كبيرة بمدى استعداد المدن لمواجهتها.

