لم تعد أزمة صناديق الاستثمار في تركيا مجرد اضطراب في سوق المال أو خسائر تعرض لها آلاف المستثمرين. فمع اتساع التحقيقات وظهور أسماء مرتبطة مباشرة بالدوائر السياسية الحاكمة، تحولت الأزمة إلى اختبار أوسع للشفافية وتكافؤ المساءلة وثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
وتكتسب قضية فاطمة بتول سايان قايا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية السابقة ووزيرة الأسرة السابقة، أهمية خاصة في هذا السياق. فقد استقالت قايا من جميع مناصبها الحزبية بعد اتهامات طرحها المتحدث باسم الحزب «الجديد» المعارض زينل إمرة بشأن تعاملاتها في أسهم شركة «أوزاتا دنيزجيليك». وأعلنت أن استقالتها تهدف إلى إتاحة المجال أمام التحقيق في الادعاءات بصورة مستقلة.
أرقام ضخمة وتوقيت يثير الأسئلة
بحسب الأرقام التي عرضها زينل إمرة، استثمرت قايا وزوجها إلياس قايا نحو 163 مليون ليرة في أسهم «أوزاتا دنيزجيليك» ابتداءً من أبريل/نيسان 2026.
ويقول إمرة إن قايا استثمرت نحو 63.4 مليون ليرة وسحبت لاحقاً نحو 1.34 مليار ليرة، بينما استثمر زوجها قرابة 99.7 مليون ليرة وسحب نحو 826 مليون ليرة. وبحسب هذه الرواية، بلغ إجمالي المبلغ المسحوب نحو 2.17 مليار ليرة.
وقد أفادت تقارير بأن قايا وزوجها حوّلا نحو 2.2 مليار ليرة إلى حساب حددته وزارة الخزانة والمالية. وفي الوقت نفسه، اتخذ الادعاء العام إجراءات لتجميد أصول مرتبطة بهما في إطار التحقيق.
أزمة لا تخص عائلة سياسية واحدة
يرى الكاتب الصحفي التركي عبد الحميد بيليجي أن أهمية القضية لا تكمن فقط في حجم الأموال المرتبطة باسم شخصية سياسية بارزة، بل في البيئة المالية التي سمحت بحدوث هذه التحركات أصلاً.
فالأزمة الأوسع مست أكثر من 455 ألف مستثمر، وامتدت إلى 131 صندوقاً تجاوزت أصولها الإجمالية 18 مليار دولار، فيما أمرت السلطات بتصفية الصناديق المتضررة. كما دخلت هيئة الأسواق المالية والنيابة العامة في تحقيقات تتعلق بشبهات تلاعب في أسعار أسهم وتحويلات مالية غير عادية.
وفي أحدث تطور، أمرت السلطات في 30 سبتمبر/أيلول بتوقيف 34 مشتبهاً إضافياً، ليرتفع عدد الأشخاص الذين استهدفتهم التحقيقات إلى 217 شخصاً، فيما كان 56 منهم محتجزين على ذمة المحاكمة وفق بيانات رسمية نقلتها رويترز.
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت هيئة الأسواق المالية بدء دفعات مرحلية للمستثمرين المتضررين، على أن يحصل أصحاب الاستثمارات التي تقل عن مليون ليرة في بعض الصناديق على كامل صافي استثماراتهم، بينما تُحدد الدفعات عند مليون ليرة للاستثمارات الأعلى من ذلك ضمن المرحلة الأولى.
هذه التطورات تعني أن القضية لم تعد مجرد سجال سياسي. هناك الآن مسار قضائي وتنظيمي ومالي متشعب، وستكون نتائجه حاسمة في تحديد حجم المخالفات والمسؤوليات الفعلية.
أين كانت أجهزة الرقابة؟
هنا ينتقل بيليجي إلى السؤال الأهم في رأيه: كيف وصلت الأسواق إلى هذه النقطة قبل أن تتحرك المؤسسات الرقابية؟
فإذا كانت أسعار بعض الأسهم قد ارتفعت بصورة استثنائية خلال فترة قصيرة، وإذا كانت صناديق تدير مليارات الدولارات قد واجهت لاحقاً أزمة سيولة واضطرت إلى التصفية، فمن المشروع التساؤل عن توقيت تدخل الجهات الرقابية ومدى فعالية آليات الإنذار المبكر.
وقد سجل مؤشر بورصة إسطنبول في سبتمبر/أيلول أسوأ أداء شهري له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، بعدما انخفض بأكثر من 16 في المئة، بينما تعرضت الأسهم الصغيرة والأقل سيولة لخسائر أكثر حدة. وربطت التقارير هذه التطورات بعمليات تصفية واسعة للصناديق وضغوط سحب الاستثمارات.
سؤال المساواة أمام القانون
البعد السياسي للقضية أكثر حساسية.
ففي السنوات الأخيرة، واجه شخصيات معارضة بارزة، ومن بينها رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو، إجراءات قضائية واتهامات بالفساد، بينما تبدو معاملة الشخصيات القريبة من السلطة مختلفة في نظر منتقدي الحكومة.
ولا يعني ذلك أن مجرد توجيه اتهام إلى شخصية معارضة يثبت إدانتها، كما أن عدم توقيف قايا لا يعني تبرئتها. المعيار القانوني في الحالتين يجب أن يكون واحداً: الأدلة، والتحقيق المستقل، والحق في الدفاع، وقرار القضاء.
ومن هذه الزاوية تحديداً يطرح بيليجي سؤاله عن المساواة في تطبيق القانون: هل تخضع الشخصيات السياسية القريبة من السلطة للمستوى نفسه من التدقيق الذي يخضع له خصومها؟
من الأزمة المالية إلى أزمة الثقة
لكن بيليجي يرى أن القضية لا تتوقف عند المال أو القانون. فهو يربطها بسؤال أعمق يتعلق بصورة حزب العدالة والتنمية نفسه.
فالرئيس رجب طيب أردوغان وقايا وغيرهما من الشخصيات المحسوبة على التيار المحافظ يستخدمون بصورة متكررة اللغة والرموز الدينية في خطابهم السياسي. ومن هنا يطرح بيليجي سؤالاً أخلاقياً: ماذا يحدث للدين عندما يصبح بعض السياسيين الذين يستندون إليه في خطابهم العام مرتبطين باتهامات تتعلق بالامتيازات المالية أو الفساد؟
ويؤكد أن هذا السؤال لا يعني تحميل الدين مسؤولية سلوك السياسيين، بل يتعلق باستخدام الدين داخل المجال السياسي. فحين تتحول اللغة الدينية إلى وسيلة لحماية السلطة من المساءلة، بحسب قراءته، فإن الضرر لا يصيب السياسة وحدها، بل قد يمتد إلى الثقة بالقيم التي يُفترض أن يمثلها الخطاب الديني.
المفارقة التاريخية لحزب العدالة والتنمية
يضع بيليجي هذه الأزمة أيضاً في سياق أوسع لصعود حزب العدالة والتنمية.
فالحزب استفاد، خصوصاً في بداياته، من مظالم قطاعات محافظة شعرت بأنها تعرضت للتهميش والقيود في تركيا العلمانية خلال التسعينيات، ومن أبرز الملفات آنذاك القيود المفروضة على النساء المحجبات في الجامعات والمؤسسات العامة.
ويرى بيليجي أن المفارقة اليوم تكمن في أن إحدى الشخصيات التي أصبحت في قلب أزمة مالية وسياسية هي نفسها امرأة محجبة كانت جزءاً من الحركة السياسية التي استفادت تاريخياً من مقاومة تلك القيود.
ومن وجهة نظره، تكشف هذه المفارقة عن خطر أوسع: أن تتحول الديمقراطية والعدالة والحريات من مبادئ ثابتة إلى أدوات تستخدمها الحركات السياسية عندما تكون في المعارضة، ثم يجري التعامل معها بصورة مختلفة بعد الوصول إلى السلطة.
من «وسيلة» إلى «قيمة»
ويستحضر بيليجي في هذا السياق العبارة المنسوبة منذ سنوات إلى أردوغان خلال مسيرته السياسية المبكرة، والتي شبّه فيها الديمقراطية بوسيلة نقل تستقلها حتى الوصول إلى الوجهة ثم تنزل منها.
وسواء قُرئت العبارة بوصفها استعارة سياسية أو اختزالاً لموقف أوسع، فإن بيليجي يستخدمها للتعبير عن مخاوفه من الديمقراطية الأداتية: أي التعامل مع الانتخابات والحريات والمؤسسات باعتبارها وسائل للوصول إلى السلطة، لا قيماً يجب احترامها حتى بعد الوصول إليها.
وهنا تصبح أزمة الصناديق، في قراءته، أكبر من قصة أرباح وخسائر.
إنها اختبار لقدرة المؤسسات التركية على الإجابة عن أسئلة بسيطة لكنها جوهرية: من استفاد؟ كيف استفاد؟ هل كانت المعلومات متاحة للجميع؟ هل تحركت الرقابة في الوقت المناسب؟ وهل يخضع القريب من السلطة والبعيد عنها للقواعد نفسها؟
وفي نهاية المطاف، ستتحدد أهمية هذه القضية ليس بحجم الأموال التي ستُسترد، وإنما بمدى قدرة التحقيقات والقضاء والجهات الرقابية على كشف الوقائع دون انتقائية، وتحديد المسؤولية على أساس الأدلة، واستعادة ثقة مئات الآلاف من المستثمرين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب أزمة لم يصنعوها.

