وجّه رئيس حزب الديمقراطية والتقدم التركي (DEVA)، علي باباجان، انتقادات حادة إلى مسار العلاقة بين القضاء والسياسة في تركيا، على خلفية الحكم بالسجن الصادر بحق رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واستمرار التحقيقات والإجراءات القضائية بحق عدد من البلديات.
وحذّر باباجان من أن تداخل الاعتبارات السياسية مع المسار القضائي لا يهدد الثقة بالمؤسسات فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى إضعاف قيمة الانتخابات وتقويض الإرادة التي عبّر عنها الناخبون عبر صناديق الاقتراع.
وفي كلمة ألقاها خلال معرض في مدينة سابانجا، استخدم باباجان تعبيراً تركياً لافتاً لوصف المشهد، قائلاً “اختلط الحابل بالنابل”، في إشارة إلى صعوبة التمييز بين ما هو قانوني ومستقل وما قد يكون مرتبطاً بحسابات أو توجيهات سياسية.
حين يصبح الفصل بين القضاء والسياسة أكثر صعوبة
يرى باباجان أن كثافة التحقيقات والدعاوى القضائية المرتبطة بالبلديات جعلت من الصعب، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، تحديد الحدود الفاصلة بين الإجراءات القانونية الطبيعية والتدخلات ذات الدوافع السياسية.
ولا تتعلق المشكلة، بحسب قراءته، بحكم قضائي واحد أو بملف محدد، وإنما بصورة أوسع بمدى قدرة المواطنين على الثقة بالمؤسسات التي يفترض أن تعمل بصورة مستقلة عن السلطة السياسية.
ويحذر زعيم حزب DEVA من أن غياب الثقة في استقلال القضاء يجعل الأحكام القضائية عرضة للتشكيك، حتى عندما تتعلق بملفات تستند إلى إجراءات قانونية رسمية. فالمشكلة، في هذه الحالة، لا تصبح فقط في مضمون الحكم، وإنما في الثقة بالآلية التي أنتجته.
وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في النقاش السياسي التركي الحالي: متى ينتهي القرار القضائي ويبدأ القرار السياسي؟
انتخابات 2024 تحت الاختبار
وسّع باباجان انتقاداته لتشمل التداعيات السياسية للإجراءات المتخذة بحق عدد من البلديات بعد الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024.
ويرى أن التدخلات اللاحقة في عمل بعض المجالس والبلديات أثارت تساؤلات حول القيمة السياسية للنتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، خصوصاً عندما تتعارض الإرادة الانتخابية المحلية مع موازين القوى السياسية على المستوى الوطني.
وبالنسبة إلى باباجان، فإن الانتخابات لا تكتسب معناها بمجرد إجرائها، وإنما بمدى احترام نتائجها بعد إعلانها.
فإذا تمكن الناخب من اختيار رئيس بلدية، ثم وجد أن نتائج ذلك الاختيار يمكن أن تتغير لاحقاً بفعل إجراءات سياسية أو مؤسساتية يراها غير عادلة، فإن المشكلة لا تعود محصورة في إدارة بلدية بعينها.
إنها تمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة.
فالانتخابات تفقد جزءاً من معناها عندما لا يشعر الناخب بأن صوته يملك أثراً مستداماً.
دعوة إلى مراجعة مستقلة للملفات
في مواجهة هذا الوضع، دعا باباجان إلى مراجعة شاملة ومستقلة للملفات والدعاوى القضائية المرتبطة بالبلديات، بحيث يجري التعامل مع كل قضية بصورة منفصلة، بعيداً عن الأحكام المسبقة والاصطفافات السياسية.
وأشار إلى أن عدداً من الخبراء القانونيين والحقوقيين أثاروا بدورهم تساؤلات بشأن بعض الإجراءات والقرارات القضائية، معتبراً أن معالجة هذه المخاوف لا ينبغي أن تقوم على إصدار أحكام سياسية مضادة، وإنما على تعزيز استقلال القضاء.
وهنا يضع باباجان المسألة في إطار أوسع من الصراع بين الحكومة والمعارضة.
فالمطلوب، وفق رؤيته، ليس قضاءً مستقلاً عن الحكومة فحسب، بل مؤسسة قضائية لا تخضع لأي شخص أو حزب أو جماعة، وتعمل وفق قواعد واضحة يمكن تطبيقها على الجميع.
وهذا الطرح يحمل دلالة سياسية مهمة، لأن استقلال القضاء لا يُختبر فقط عندما يصدر حكماً ضد الحكومة، بل أيضاً عندما يصدر حكماً ضد المعارضة.
القاعدة نفسها يجب أن تنطبق على الجميع.
من أزمة القضاء إلى أزمة الثقة الاقتصادية
لا يفصل باباجان بين قضية استقلال القضاء والوضع الاقتصادي في تركيا. وبصفته شغل سابقاً منصب وزير الاقتصاد ونائب رئيس الوزراء، يربط بصورة مباشرة بين سيادة القانون وثقة المستثمرين واستقرار الأسواق.
ويستند هذا الربط إلى فكرة اقتصادية أساسية: رأس المال لا يبحث عن العائد فقط، بل يبحث أيضاً عن القدرة على التنبؤ.
المستثمر يريد أن يعرف ما هي القواعد التي ستطبق على نشاطه، وكيف ستتعامل المؤسسات مع النزاعات، وما إذا كان يستطيع اللجوء إلى قضاء مستقل عندما تنشأ مشكلة.
ولهذا، فإن ضعف الثقة بالمؤسسات القضائية قد يتحول تدريجياً إلى عامل اقتصادي، حتى لو لم يظهر أثره فوراً في مؤشرات النمو أو التضخم.
وبحسب باباجان، فإن مكافحة التضخم وتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام لا يعتمدان على السياسة النقدية وحدها. فاستقرار الاقتصاد يحتاج أيضاً إلى بيئة قانونية مستقرة ومؤسسات يمكن الوثوق بها.
ومن هذه الزاوية، تصبح قضية القضاء جزءاً من النقاش الاقتصادي، لا ملفاً سياسياً منفصلاً عنه.
إمام أوغلو في قلب المعادلة السياسية
يأتي ذلك في وقت أصبح فيه أكرم إمام أوغلو أحد أبرز رموز المعارضة التركية، خصوصاً بعد نجاحه في الاحتفاظ برئاسة بلدية إسطنبول في انتخابات 2024.
ولهذا فإن الإجراءات القضائية بحقه تحظى باهتمام يتجاوز حدود الملف القانوني نفسه. فإمام أوغلو لا يمثل شخصية سياسية محلية فحسب، بل يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز المنافسين المحتملين للرئيس رجب طيب أردوغان في المستقبل.
ومن هنا، يصعب فصل البعد القانوني للقضية عن تأثيراتها السياسية الأوسع، حتى مع ضرورة التمييز بين الوقائع القضائية والتفسيرات السياسية المرتبطة بها.
وهذا هو تحديداً ما يجعل استقلال القضاء محوراً مركزياً في الجدل الحالي.
فإذا كانت القضايا المرفوعة ضد شخصيات معارضة تستند إلى أدلة وإجراءات قانونية، فإن الطريق الطبيعي هو ترك القضاء يقول كلمته. لكن في المقابل، فإن ضمان استقلال القضاء وشفافية الإجراءات يظل ضرورياً حتى تكون الأحكام قابلة للقبول، ليس فقط من جانب المؤيدين لها، وإنما أيضاً من جانب خصومها.
الاختبار الحقيقي: الثقة بالمؤسسات
تكشف تصريحات باباجان عن مشكلة أعمق من الخلاف بين الحكومة والمعارضة. إنها تتعلق بمستوى الثقة الذي يضعه المواطن في مؤسسات الدولة.
فالديمقراطية لا تقوم على الانتخابات وحدها. هناك سلسلة كاملة من المؤسسات التي يفترض أن تحافظ على قواعد اللعبة بعد انتهاء التصويت: القضاء، والإدارة، والبرلمان، والهيئات الانتخابية، والبلديات.
وكلما ضعفت الثقة في إحدى هذه الحلقات، أصبح الحفاظ على الشرعية السياسية أكثر صعوبة.
وفي الحالة التركية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب الاستقطاب السياسي الحاد الذي يطبع المشهد الداخلي منذ سنوات. فكل قرار قضائي كبير يمكن أن يُقرأ بسهولة من خلال الانتماء السياسي، بدلاً من النظر إليه من خلال حيثياته القانونية وحدها.
وهنا تكمن الخطورة.
عندما يصبح الناس أكثر ثقة بانتماء القاضي السياسي من نص الحكم نفسه، تكون المشكلة قد تجاوزت المحكمة ووصلت إلى النظام المؤسسي بأكمله.
القضاء والاقتصاد والسياسة: دوائر متشابكة
تكشف قضية إمام أوغلو والبلديات عن تداخل ثلاث دوائر يصعب فصلها عن بعضها في تركيا اليوم: السياسة والقضاء والاقتصاد.
السياسة تحدد اتجاهات السلطة وتوازنات المعارضة. والقضاء يملك القدرة على التأثير في مستقبل بعض أبرز الفاعلين السياسيين. أما الاقتصاد، فيراقب كل ذلك من زاوية مختلفة: مدى استقرار المؤسسات وقابلية البيئة القانونية للتنبؤ.
ولهذا فإن النقاش حول استقلال القضاء لا يقتصر على المعارضة أو الحكومة. إنه يمتد إلى المستثمرين والشركات والأسواق والمواطنين الذين يريدون معرفة ما إذا كانت قواعد اللعبة ستبقى ثابتة.
قد تكون الإجراءات القضائية قانونية من الناحية الشكلية، لكن الثقة تحتاج إلى أكثر من الشكل القانوني. تحتاج إلى استقلال واضح، وشفافية، وإمكانية التحقق من أن القواعد نفسها تطبق على الخصوم والحلفاء على حد سواء.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بإمام أوغلو وحده، ولا بعلي باباجان أو حزبه وحده.
السؤال الأوسع هو ما إذا كانت المؤسسات التركية قادرة على الحفاظ على مسافة واضحة بين السلطة السياسية والقرار القضائي، في وقت يزداد فيه الاستقطاب وتتعاظم فيه أهمية المنافسة السياسية.
وهنا تصبح تحذيرات باباجان ذات بعد يتجاوز المعارضة التركية نفسها.
فحين تتآكل الثقة في القضاء، لا يخسر السياسيون وحدهم. تخسر الدولة جزءاً من قدرتها على إقناع مواطنيها والمستثمرين بأن قواعد اللعبة ستبقى ثابتة.
ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل الاقتصاد والسياسة في تركيا لا ينفصل تماماً عن مستقبل مؤسساتها.
لأن الاستقرار الاقتصادي يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى القانون، والقانون يحتاج إلى مؤسسة قضائية يثق الجميع بأنها تقف على مسافة واحدة من السلطة والمعارضة.

