واجه رئيس بلدية أنقرة الأسبق، مليح غوكشيك، عاصفة من الجدل الإعلامي والسياسي تزامنت مع مثوله أمام الادعاء العام بصفة “مشتبه به” في قضية مالية بارزة يوم الجمعة المنصرم. ولم يقتصر الاهتمام على جوهر التحقيقات قضائياً، بل امتد ليركز على تفصيل أثار انقساماً واسعاً في الأوساط الإعلامية التركية: ماذا كان يمضغ غوكشيك أثناء دخوله مبنى قصر العدل؟
بين التفسير الطبي وتأويلات “التحدي“
في توضيح لافت عقب اللغط الذي أثارته لقطات مصورة له عند مدخل المحكمة، أكد مليح غوكشيك أن ما ظهر في فمه لم يكن “علكة” بمفهومها التقليدي، بل كان “قرصاً طبياً علاجياً قابلاً للمضغ” يستخدمه لمكافحة جفاف الفم واللسان الناجم عن إصابته بمرض السكري.
وأعرب المسؤول التركي السابق عن استيائه الشديد من الطريقة التي تعاملت بها وسائل إعلامية محسوبة على المعارضة مع الحادثة، حيث صوّرت السلوك على أنه “تحدٍّ” أو “مواجهة” صريحة ومقصودة للمؤسسة القضائية التركية. ورداً على هذه التأويلات، صرح غوكشيك بحزم قائلاً إن “تحدي العدالة ليس من شأن أحد، ولا يحق لأي شخص القيام به”، مؤكداً احترامه الكامل للقضاء.
وفي مسعى لتأكيد دقة روايته وإثبات حسن نواياه، أشار غوكشيك إلى أنه تخلص من القرص الطبي بإلقائه في سلة المهملات المخصصة فور تجاوزه بوابة الدخول لمبنى المحكمة، مؤكداً أن عناصر الشرطة المتواجدين عند المدخل كانوا شهوداً عياناً على تصرفه هذا.
تأكيدات برلمانية مساندة
ولم يقتصر الدفاع على تصريحات رئيس البلدية السابق؛ إذ حظيت الرواية الطبية بدعم عائلي وسياسي مباشر. وكان ابنه، عثمان غوكشيك، وهو نائب في البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، قد أوضح للرأي العام في وقت سابق أن والده يعاني من داء السكري. وأكد البرلماني أن هذا المرض يتسبب لوالده بجفاف مستمر في الحلق، مما يدفعه بانتظام إلى استخدام العلكة الطبية أو أقراص المضغ الخاصة للتخفيف من حدة الأعراض الطارئة.
أصل القضية: استثمارات عقارية تحت مجهر الادعاء
خلف هذا الجدل السلوكي، يكمن ملف قضائي جاد تولته النيابة العامة في العاصمة التركية. وتعود جذور القضية إلى التاسع والعشرين من أغسطس/آب الماضي، عندما أطلقت النيابة العامة في أنقرة تحقيقاً تلقائياً ومباشراً بناءً على تقارير استقصائية نشرها الصحفي مراد أغيريل.
وتتمحور التحقيقات حول الاتهامات التالية:
- قيام عائلة غوكشيك بتأسيس شركة استثمارية تحمل اسم “هاماج” (Hamag) في ألمانيا.
- استخدام هذه الشركة كواجهة لضخ استثمارات عقارية تقدر قيمتها بملايين اليورو.
- وجود شبهات تتعلق بنقل وتدفق أموال غير مسجلة وخارج القنوات القانونية الرسمية من تركيا لصالح حسابات الشركة الألمانية.
وفي إطار هذا المسار القانوني، مثل الصحفي مراد أغيريل أمام جهات التحقيق بصفته “شاهداً”، في حين خضع مليح غوكشيك للاستجواب بصفته “مشتبهاً به”. وعقب انتهاء جلسة الاستماع إليه، آثر غوكشيك عدم الخوض في تفاصيل الاستجواب أو الكشف عن مضمون إفادته، مبرراً صمته بالالتزام بـ “سرية التحقيقات” التي تفرضها القوانين على الملفات المنظورة قيد التحقيق الفيدرالي.
الرمزية في غرف الاستقطاب السياسي
تكشف الحادثة بوضوح عن الطريقة التي تتحول بها التفاصيل السلوكية البسيطة للمسؤولين في تركيا إلى أدوات للاستقطاب السياسي والصراع الرمزي بين السلطة والمعارضة. فبالنسبة لوسائل الإعلام المعارضة، يعكس مشهد مضغ القرص الطبي على أعتاب المحكمة من قبل شخصية أدارت العاصمة لعقود نوعاً من “الاستخفاف الرمزي” بالمساءلة القضائية. في المقابل، يرى معسكر غوكشيك أن هذا التركيز الإعلامي على تفصيل صحي شخصي يهدف إلى خلق بروباغندا سياسية ومحاولة التأثير المسبق على مجريات العدالة في قضية مالية لم يبت فيها القضاء بعد. ومع استمرار التحقيق السري، يظل ملف عائلة غوكشيك المالي واحداً من أكثر الملفات التي تترقب الأوساط السياسية التركية مآلاتها القانونية.

