تواجه إحدى الجماعات الدينية البارزة في تركيا ضغوطاً قضائية وسياسية متزايدة، إثر صدور قرارات قضائية جديدة بحبس عشرات الأعضاء والمسؤولين فيها، بمن فيهم زعيم الجماعة، على ذمة التحقيق في قضية تتعلق بـ”جرائم مالية”، على حد مزاعم السلطات الرسمية.
وتأتي هذه التطورات متزامنة مع استدعاء وزير الداخلية التركي الأسبق، إدريس نعيم شاهين، للإدلاء بإفادته على خلفية اتهامات تتعلق بمحاولة تهريب أحد المطلوبين البارزين في إطار قضية جماعة سليمان حلمي طوناخان أفندي.
ملاحقات قضائية واسعة وموجات توقيف متتالية
أفادت وسائل إعلام تركية ببدء إجراءات ملاحقة قضائية بحق مئة وأربعة وعشرين شخصاً في سياق هذه القضية. وحتى الآن، قررت المحاكم التركية إيداع واحد وثمانين شخصاً السجن بصفة مؤقتة في انتظار المحاكمة. وتتوزع المواقف القانونية لبقية المستهدفين بالتحقيق على النحو التالي:
- إخلاء سبيل عشرة أشخاص شريطة خضوعهم للمراقبة القضائية المستمرة.
- استمرار الإجراءات الشرطية والتحقيقات بحق موقوفَين اثنين داخل مقار الاحتجاز.
- مواصلة السلطات الأمنية البحث عن سبعة وعشرين مطلوباً آخرين تلاحقهم الأجهزة المختصة للقبض عليهم.
وقد نُفذت هذه التوقيفات عبر موجات متلاحقة؛ حيث انطلقت الحملة الأولى من المداهمات الأمنية في الثالث عشر من أغسطس/آب الجاري، وشملت سبع عشرة ولاية تركية، وأسفرت حينها عن حبس زعيم الجماعة، علي خان كوريش، إلى جانب واحد وثلاثين شخصاً آخرين، في حين وُضع ستة من أعضاء الجماعة تحت الإقامة الجبرية.
وتلتها موجة أخرى في الخامس والعشرين من أغسطس/آب، احتجزت الشرطة خلالها سبعة وثلاثين شخصاً آخر، قرر القضاء لاحقاً حبس خمسة وثلاثين منهم وإطلاق سراح اثنين تحت الإشراف القضائي.
لغز سيارة الوزير السابق ومحاولة الهروب
في تطور لافت يربط مسار القضية برموز سياسية سابقة، استدعى الادعاء العام وزير الداخلية الأسبق، إدريس نعيم شاهين، لتقديم إفادته الرسمية. وتتركز الشبهات حول استخدام مركبة مخصصة لشاهين في محاولة لمساعدة حلمي طونا كوريش – شقيق زعيم الجماعة – على الفرار ومغادرة الأراضي التركية، قبل أن تتمكن الشرطة من إحباط المحاولة وإلقاء القبض عليه في بلدة مارماريس الساحلية الواقعة جنوب غربي البلاد.
ودافع شاهين عن موقفه مؤكداً أنه استأجر السيارة المعنية لاستخدامه الشخصي في مدينة إسطنبول، ونفى علمه التام باستعمالها لنقل شقيق زعيم الجماعة، مشيراً إلى أنه تقدم بشكوى رسمية ضد مالك شركة تأجير السيارات. ومع ذلك، صرح وزير العدل التركي، أكين غورليك، بأن السجلات الهاتفية والأدلة المتاحة لا تتسق مع الرواية التي قدمها الوزير الأسبق. ورغم هذا التعارض في الإفادات، فإن التقارير الإعلامية لم تشر إلى شاهين بصفته مشتبهاً به بصفة رسمية، كما لم توجه إليه تهمة ارتكاب جرم محدد حتى الآن.
“شبكة للتربح” أم استهداف للمعتقدات؟
يوجه الادعاء العام التركي اتهامات لزعيم الجماعة علي خان كوريش والمسؤولين الآخرين بإدارة شبكة تهدف إلى تحقيق أرباح مادية غير مشروعة والضلوع في أنشطة تندرج تحت طائلة الجرائم المالية. وفي المقابل، نفى كوريش هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكداً براءته من قيادة أي تنظيم إجرامي أو المشاركة في أي تعاملات مالية غير قانونية.
من جانبها، تسعى الحكومة التركية إلى تأطير القضية في سياق جنائي بحت؛ إذ شدد وزير العدل، أكين غورليك، على أن التحقيقات تتركز حصراً على السلوك والمخالفات المالية، وأنها لا تستهدف العقيدة الدينية أو الجماعة ككيان ديني وعقائدي.
جذور الجماعة وتوازنات الخلاف مع الحزب الحاكم
تُعرف هذه الجماعة الدينية شعبياً باسم “السليمانيون“ (أو “السليمانليلار” كما يفضل أعضاؤها تسميتها)، وتعود جذورها الفكرية والتنظيمية إلى أتباع العالم الإسلامي التركي سليمان حلمي طوناخان. وتدير الجماعة بنية تحتية دينية واجتماعية واسعة تشمل مدارس لتعليم القرآن الكريم، ودوراً لسكن الطلاب، ومساجد تتوزع بين تركيا والعديد من الدول الأوروبية.
وتشير الخلفيات السياسية المحيطة بالقضية إلى أن هذه المداهمات تأتي بعد سنوات من مطالبات متكررة من شخصيات وجيوب مقربة من الحكومة التركية بضرورة اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعة. ويعزو مراقبون هذه التوترات المتراكمة إلى الموقف السياسي المستقل لقيادة الجماعة، التي آثرت عدم تقديم الدعم السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان في الاستحقاقات الانتخابية والسياسية المتعاقبة.

