شهدت الساحة الأمنية التركية تطوراً لافتاً في الثامن والعشرين من أغسطس الحالي، تمثل في إطلاق السلطات لعمليات توقيف منسقة شملت ولايتي إسطنبول وموغلا، واستهدفت بشكل مباشر أبناء وبنات المغتربين المقيمين في الخارج والمنتمين إلى عائلات خاضعة للملاحقة بموجب المراسيم الرئاسية المعروفة بقرارات حالة الطوارئ عقب الانقلاب الغامض في ٢٠١٦ والتي تستهدف بشكل أساسي أتباع حركة الخدمة.
وكان من أبرز من شملتهم هذه التوقيفات ابنة كمال باتماز. وتكمن الخصوصية السياقية لهؤلاء الشباب في أنهم كانوا أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم عشرة أو أحد عشر عاماً إبان أحداث الانقلاب المثير للجدل، في حين يبلغون اليوم مطلع العشرينات من عمرهم، مما أثار استياء عاما في الأوساط القانونية.
وتشير تفاصيل الحادثة إلى أن هؤلاء المستهدفين يعيشون ويتابعون تعليمهم في ألمانيا، ويحمل بعضهم الجنسية الألمانية. وقد دخلوا الأراضي التركية بصفة نظامية لقضاء عطلات سياحية وزيارة أقاربهم. غير أن النيابة العامة التركية وجهت إليهم اتهامات رسمية بالانخراط في أنشطة “الإرشاد والتوجيه الطلابي” داخل ألمانيا، وتوفير فرص تعليمية وتسهيلات دراسية للطلاب القادمين من تركيا، وهي الأنشطة التي تضعها السلطات تحت طائلة التجريم والملاحقة الأمنية، رغم أنها قانونية بكل المعايير الحقوقية المحلية والدولية.
تحليل طبيعة السلطة: الميكافيلية النفعية وسلوك “احتجاز الرهائن“
يقدم المحلل السياسي التركي أمره أوسلو تشريحاً بنيوياً لطبيعة النظام الحاكم في تركيا بناءً على هذه الممارسات، معتبراً أن السلوك الأمني الأخير يعكس الهوية الحقيقية لمنظومة الحكم. ويرى أوسلو أن السلطة الحالية تعمل خارج أطر القوانين المتعارف عليها كافة، فلا هي تحتكم إلى الفقه والقانون الإسلامي، ولا تلتزم بمبادئ القانون الغربي أو الشرائع القانونية التاريخية كالقانون الروماني.
ويصف أوسلو النظام بأنه كيان نفعي ميكافيلي بامتياز، يفتقر إلى الاتساق الإيديولوجي أو القيمي؛ حيث يمكن لشخوصه تبني أي مظهر أو خطاب، كارتداء عباءة القسيس أو اعتلاء منبر الإمامة، شريطة أن يضمن ذلك بقاءهم في السلطة وحفظ مصالحهم.
ويشير أوسلو إلى أن هذه السلطة لا تفهم سوى لغة القوة والنفوذ وأوراق الضغط. ويستدل على ذلك بالطريقة الانصياعية التي يتعامل بها النظام مع القوى الدولية الكبرى؛ إذ يرضخ مباشرة للضغوط الأجنبية، كما حدث في تلبية مطالب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول والقس برونسون، أو الاستجابة لضغوط المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل لإطلاق سراح الصحفي دنيز يوجيل، في حين يمارس أقصى درجات البطش والتنكيل ضد الفئات المستضعفة محلياً التي لا تملك وسيلة للضغط.
ويمضي أوسلو في تحليله واصفاً سلوك النظام في ملاحقة الأبناء بأنه يحاكي أساليب “عصابات المافيا”. فعندما تعجز السلطة عن الوصول إلى المعارضين أو إسكات الأصوات النشطة في المغترب والشتات، تلجأ إلى احتجاز أبنائهم وبناتهم كرهائن داخل تركيا، بهدف ابتزاز الآباء وفرض الصمت والرضوخ عليهم بقوة الترهيب.
مقاربة تاريخية وقانونية: ازدواجية المعايير والالتفاف على الحريات الدستورية
في إطار تفكيك البنية التشريعية التي تتذرع بها حكومة أردوغان، يعقد أمره أوسلو مقارنة تاريخية بين العهد الجمهوري الأول والوضع الراهن، مستشهداً بـ “قانون التكايا والزوايا” الصادر في أواخر عام ١٩٢٥.
ويوضح أوسلو أن مصطفى كمال أتاتورك كان أكثر وضوحاً وتماشياً مع منهجه عندما أصدر قانون “توحيد التدريس” وحظر الزوايا الصوفية، حيث أعلن صراحة وبشكل مباشر أن الانتماء إليها أو زيارتها يعد جريمة يعاقب عليها القانون.
أما النظام الحالي، فيمارس -وفقاً لـ أوسلو– ازدواجية صارخة؛ إذ يتبجح بحماية الحريات الدينية ويدعي كفالة التعددية الفكرية، بينما تعمد أجهزته القضائية إلى اعتقال الأفراد لمجرد تكتلهم حول فكرة معينة أو نشرهم لمعتقداتهم، وهو ما يمثل انتهاكاً مباشراً للحق الدستوري في حرية الفكر والتعبير ونشره.
وينبه أوسلو إلى أن هذه المنهجية العقابية لا تستهدف حركة الخدمة فحسب، بل تمثل نموذجاً جاهزاً للتطبيق ضد أي جماعة دينية ترفض الانضواء الكامل تحت عباءة السلطة. ويشير في هذا الصدد إلى التضييقات المتزايدة التي تطال مجموعات دينية أخرى في تركيا، مثل جماعة “السليمانيين” وجماعة “الفرقان” بقيادة ألب أرسلان كويتول، مؤكداً أن مجرد النشاط الجماعي المستقل خارج الأطر الحكومية أصبح يصنف كجريمة في عرف المنظومة الأمنية الحالية.
الأثر الارتدادي للقمع: الوعي القسري وتوريث الهوية عبر الأجيال
يقدم أمره أوسلو قراءة اجتماعية سياسية عميقة حول النتائج العكسية لسياسة القمع العابر للأجيال، مستنداً إلى إسقاط تاريخي مستمد من القضية الكردية في تركيا.
ويشرح أوسلو أنه في أعقاب إخماد الانتفاضات الكردية المبكرة، عمل زعماء العشائر والوجهاء الأكراد المهزومون على نصح أبنائهم بالابتعاد التام عن معترك السياسة والتركيز على المهن المدنية كالطب والصيدلة لتفادي بطش الدولة، مما أدى إلى انقطاع مرحلي في انتقال الوعي القومي الكردي.
غير أن نقطة التحول الكبرى حدثت عندما تخلت الدولة عن استهداف الأفراد وبدأت في زج أجيال متعاقبة من العائلة الواحدة (الآباء، الأبناء، الأخوال، والأجداد) داخل السجون نفسها. هذا الوجود المشترك خلف القضبان تحول إلى “مدرسة سياسية” قسرية، أسهمت في صهر الوعي ونقل الهوية السياسية من جيل إلى جيل بشكل مؤسسي ومتماسك.
وبتطبيق هذا النموذج التاريخي على الواقع المعاش، يؤكد أوسلو أن السلطات التركية ترتكب الخطأ الاستراتيجي عينه بتوقيفها لأبناء المعارضين والملاحقين بموجب مراسيم أردوغان الشخصية غير المستندة إلى القانون. فحتى لو رغب الآباء في إبقاء أبنائهم بعيداً عن النشاط الفكري، أو حاول الشباب أنفسهم تبني نمط حياة غير مسيس في المهجر، فإن بطش الدولة واستهدافها المباشر لهم بسبب روابط الدم يعمل كـ “أم بديلة” تتولى قسراً غرس الوعي بالهوية الفكرية في نفوسهم، وتدفعهم دفعاً للتمسك بجذور عائلاتهم والدفاع عنها، مما يضمن ديمومة الحركة واستمراريتها التاريخية بدلاً من إنهائها.
المسار الاستراتيجي البديل: شروط التمكين وأولوية البناء في المهجر
يوجه أمره أوسلو نقداً ذاتياً حاداً لطريقة تفكير قيادات ومنتسبي جماعة الخدمة، موضحاً أن مشكلتهم الأساسية لا تكمن في الذكاء الأكاديمي أو التقني -إذ يضم التنظيم خريجين من أرقى الجامعات مثل جامعة البوسفور وجامعة الشرق الأوسط التقنية (ODTÜ)- بل في الافتقار إلى الوعي السياسي والاجتماعي العملي، مما جعلهم هدفاً سهلاً لتقلبات السلطة. ويضيف أن الدولة القومية الحديثة تسعى بطبيعتها لتسييس كل المجالات، وبالتالي فإن محاولة الوقوف في منطقة “غير سياسية” أو “فوق السياسة” تجعل الكيانات لقمة سائغة للقمع الأمني.
وبناءً على هذه المعطيات، يطرح أوسلو خريطة طريق بديلة تتلخص في النقاط التالية:
- إسقاط الرهان على النصوص القانونية: يجب التوقف تماماً عن بناء أي آمال على القوانين المكتوبة، والدستور التركي، أو التصريحات الرسمية الصادرة عن مسؤولي وزارة العدل؛ نظراً لأن المنظومة الحاكمة لا تقيم وزناً لقوانينها الخاصة وتوظفها فقط لخدمة مصالحها اللحظية.
- الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الإعلامي: يرى أوسلو أن الانكفاء ومحاولة التخفي والسكوت تجنباً للملاحقة هي استراتيجية فاشلة؛ والبديل هو رفع الصوت بقوة وإزعاج النظام وملاحقته دولياً في كل منبر ومساحة لا تصل إليها يده الأمنية.
- مضاعفة الاستثمار في التعليم والتمكين الاقتصادي: يدعو أوسلو إلى تكثيف العمل المؤسسي في المهجر بمعدلات مضاعفة؛ فإذا كانت المؤسسات قادرة على رعاية عدد معين من الطلاب سابقاً، فعليها اليوم مضاعفة هذا الرقم عشرات المرات لترسيخ الوجود الفعلي.
- استلهام الدروس من التحولات التاريخية: يستحضر أوسلو تجربة الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني كدرس ملهم في حتمية تغير موازين القوى؛ حيث حكم عليه نظام صدام حسين بالإعدام مرتين، ولكن مع زوال ذلك النظام وتحول الموازين، أصبح طالباني رئيساً لجمهورية العراق بينما واجه صدام الإعدام. ويعزز هذا المثال الرؤية القائلة بأن الأنظمة الاستبدادية تنهار في النهاية تحت وطأة خروقاتها الذاتية، وأن امتلاك عناصر القوة الحقيقية وبناء الكيانات الفاعلة في الخارج هو السبيل الوحيد لفرض واقع سياسي جديد.

