في خطوة هي الأولى من نوعها لتقديم حصيلة رقمية شاملة، كشف مراد قرايلان، القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني، عن السجلات الداخلية للضحايا من مقاتلي التنظيم والقوى الكردية المتحالفة معه على مدار خمسين عاماً، ممتدة بين عامي ١٩٧٦ و٢٠٢٦.
وحسب المقابلة التي نشرتها وكالة فرات للأنباء المقربة من الحزب، بلغت الحصيلة الرسمية المعلنة ٢٥,٩٢٢ قتيلاً من المقاتلين. وتظل هذه الأرقام معبرة عن وجهة نظر الحزب لتعذر إخضاعها لعمليات تحقق مستقلة من أطراف حيادية. وفي المقابل، تُشير البيانات الصادرة عن السلطات التركية وحلفائها الغربيين — الذين يصنفون الحزب كمنظمة إرهابية — إلى أن الصراع المسلح الذي تفجر عام ١٩٨٤ قد حصد في مجمله أرواح أكثر من ٤٠,٠٠٠ شخص.
الهيكل الزمني والمكاني لتوزيع الضحايا
تتوزع الخسائر البشرية المسجلة لدى قيادة الحزب على مراحل تاريخية وجبهات قتال متباينة، تعكس المسار الميداني الطويل لهذا النزاع:
- الحقبة التأسيسية والتمهيدية (١٩٧٦ – ١٩٨٣): تميزت هذه السنوات التي سبقت الإعلان الرسمي للكفاح المسلح بكثافة عملياتية منخفضة، حيث اقتصرت الخسائر على ١٧٣ قتيلاً.
- المرحلة الدموية الكبرى (١٩٨٤ – ٢٠٠٠): تُمثل هذه الفترة ذروة العمليات العسكرية المتبادلة، وسجلت الحصيلة الأكبر من الضحايا بواقع ١٣,٧٧٨ قتيلاً.
- مواجهات الألفية الجديدة (٢٠٠١ – ٢٠٢٦): وثق الحزب سقوط ٧,٩٤٩ قتيلاً في صفوف مقاتليه خلال هذه الحقبة الممتدة حتى تاريخ صدور الإعلان.
- قوات حماية المدنيين (YPS): شملت الإحصائيات مقتل ٧٦٠ عضواً من هذه القوات التابعة للحزب خلال المعارك الممتدة بين عامي ٢٠١٥ و٢٠٢٦.
- جبهة الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش): رصدت البيانات مقتل ٣,٢٦٢ مقاتلاً كردياً في المعارك التي خاضوها ضد التنظيم في ساحتي العراق وسوريا.
تحديات التوثيق والفجوات في السجلات الرسمية
أقرت القيادة الكردية بوجود صعوبات لوجستية وتنظيمية حالت دون تقييد كافة الضحايا في السجلات الرسمية بدقة، وتتمثل في الجوانب التالية:
- الضحايا غير المقيدين: أشار قرايلان إلى وجود قرابة ١,٠٠٠ قتيل إضافي لم تُسجل أسماؤهم رسمياً في الدفاتر التنظيمية، وغالبيتهم سقطوا في الفترة ما بين ١٩٨٤ و٢٠٠٠. وباحتساب هؤلاء، تقترب الحصيلة الفعلية للمقاتلين من ٢٧,٠٠٠ قتيل.
- الضحايا من المدنيين: تُشير تقديرات الحزب إلى أن الخسائر بين المدنيين جراء الصراع تتراوح بين ٥,٠٠٠ و١٠,٠٠٠ قتيل.
- حصار الاتصالات الأمني: عزا الحزب التأخر الطويل في إبلاغ القيادة المركزية بأسماء القتلى إلى سياسة الإغلاق والتعتيم الاتصالي المتبعة على مدار السنوات العشر الماضية، وهي تدابير وُصفت بأنها كانت ضرورية لحماية المقاتلين ميدانياً، لكنها أعاقت وصول البيانات في الوقت المناسب.
ملف الهويات المعلقة والمقابر
لا تزال هناك قضايا إنسانية وتنظيمية معلقة يسعى الحزب للتعامل معها تدريجياً:
- يمتنع الحزب حالياً عن إعلان هويات ٥٢٠ قتيلاً من المقاتلين المنحدرين من داخل تركيا، ووعد بنشر أسمائهم وتفاصيلهم على مدار الأسابيع والأشهر المقبلة.
- يحتفظ التنظيم في الوقت الراهن برفات معظم المقاتلين البالغ عددهم ٢٣٠ مقاتلاً ممن كشف عن أسمائهم مؤخراً، مع غياب تفاصيل دقيقة عن المواقع الجغرافية لهذه الرفات أو جداول زمنية واضحة لتسليمها لعائلاتهم.
المنعطف التاريخي والمسار الجديد
يأتي الإعلان عن هذه الإحصائيات في سياق تحول استراتيجي جذري في طبيعة حركة حزب العمال الكردستاني:
- قرار الحل وإنهاء التسلح: أعلن الحزب رسمياً عن حل نفسه في الثاني عشر من مايو لعام ٢٠٢٥، مستنداً إلى توجيهات زعيمه التاريخي المسجون عبد الله أوجلان الذي دعا صراحة إلى وضع حد للعمل المسلح.
- الاستجابة التشريعية التركية: في سياق هذه الديناميكية الجديدة، أصدرت تركيا قانوناً خلال شهر أغسطس من عام ٢٠٢٦ يهدف إلى تسهيل عملية نزع السلاح وتقديم التسهيلات القانونية لعودة بعض أعضاء الحزب إلى تركيا.
- الانتقال إلى العمل السلمي: أكد قرايلان أن انتهاء الكفاح المسلح لا يعوق استمرار الحركة في السعي نحو أهدافها، مشدداً على أن العمل سينصب مستقبلاً على القنوات السياسية، والتنظيم الاجتماعي، والتحركات القانونية المشروعة.

