شهدت الساحة التركية تطوراً جديداً في مسار الملاحقات القضائية والأمنية المستمرة ضد منتسبي “حركة كولن”؛ فقد أوقفت السلطات الأمنية التركية شابتين، ينتمي والداهما إلى قائمة المعتقلين على خلفية حملة التطهير ضد الحركة، وذلك بعد توجيه اتهامات تتعلق بتلقي مساعدات وتسهيلات لمواصلة دراستهما في ألمانيا.
وتأتي هذه الخطوة لتثير مجدداً النقاشات القانونية والحقوقية حول حدود قوانين مكافحة الإرهاب التركية، ومدى اتساع رقعة الاتهامات لتشمل مجالات المساعدات الإنسانية والتعليمية لعائلات المعتقلين.
تفاصيل الدهم فجراً: ملاحقة خلف ستار “التعليم“
نفذت قوات الأمن التركية، بالتعاون مع وحدات مكافحة الإرهاب والاستخبارات وبموجب توجيهات من مكتب رئيس الادعاء العام في إسطنبول، مداهمات متزامنة عند الساعة الخامسة والأربعين دقيقة من صباح يوم الجمعة. وأسفرت هذه العمليات عن توقيف أسمى باتماز في مدينة إسطنبول، وهلال كوسي أوغلو في ولاية موغلا الواقعة في جنوب غرب البلاد.
وبحسب التفاصيل الصادرة عن وكالة الأنباء الرسمية “الأناضول”، فإن التحقيقات شملت أيضاً إصدار مذكرات توقيف بحق شخصين آخرين؛ الأول هو يعقوب آيكين، المقيم في مدينة مانهايم الألمانية منذ عام ٢٠١٦، والثاني هو سامي يلماز، الذي غادر الأراضي التركية في يوليو/تموز الماضي.
وقد وجهت النيابة العامة لـ”آيكين” اتهاماً بتنسيق وتسهيل فرص التعليم في ألمانيا لأبناء الأشخاص الذين تعرضوا للملاحقة القضائية أو السجن بسبب صلاتهم المفترضة بحركة الخدمة، وذلك عبر مكتب استشارات تعليمية، إلى جانب اتهامه بنقل معلومات وتنسيق التواصل بين المعتقلين في الداخل وأطراف في الخارج.
وفي المقابل، أشار بيان الادعاء العام إلى الشابتين الموقوفتين ويلماز كـ”مستفيدين” من هذه المساعدات الدراسية، دون توجيه تهم محددة بفعل ملموس آخر أو توضيح نوع الجريمة الجنائية المنسوبة إليهما. وصادرت الشرطة خلال المداهمات مواد رقمية وأجهزة إلكترونية، في حين لم يتضح بعد ما إذا كان قد سُمح للموقوفتين بمقابلة محامين أو الخضوع للاستجواب الرسمي.
هوية الآباء: صلات عائلية تضع الأبناء في دائرة الاستهداف
تعكس هذه التوقيفات منهجية أمنية تركز على الصلات العائلية للمستهدفين، حيث تم تعريف الشابتين من خلال ملفات والديهما السجينين:
- والد أسمى باتماز: هو كمال باتماز، أحد المدنيين البارزين الذين أُدينوا في قضية “قاعدة أكينجي الجوية” الشهيرة المتعلقة بمحاولة انقلاب يوليو/تموز ٢٠١٦. ورغم نفي باتماز المستمر لأي دور له في تلك الأحداث، فإن المحكمة العليا التركية ثبتت الأحكام الصادرة بحقه في عام ٢٠٢٣.
- والد هلال كوسي أوغلو: هو القاضي السابق بلال كوسي أوغلو، الذي فُصل من سلك القضاء بموجب مرسوم طوارئ عقب محاولة الانقلاب الغامضة، ويقضي حالياً عقوبة بالسجن لمدة ثماني سنوات بعد إدانته بالانتماء إلى الحركة.
توسيع مظلة “الإرهاب”: المساعدات الإنسانية والتعليمية تحت طائلة القانون
لا تُعد هذه الحادثة معزولة، بل تندرج ضمن نمط قضائي تركي بات يتعامل مع أي شكل من أشكال الدعم المالي، والإنساني، أو التعليمي لعائلات المتضررين من حملات التطهير كـ”أنشطة إرهابية”. وتكشف السجلات القضائية الأخيرة عن سلسلة من الأحكام والعمليات المماثلة:
- قضت محكمة تركية في يناير/كانون الثاني الماضي بسجن مواطن لمدة سبع سنوات ونصف بتهمة تحويل مبالغ مالية تُقدر بنحو ٦٢ ألف ليرة تركية (ما يعادل ١٤٣٠ دولاراً أمريكياً في ذلك الوقت) لدعم عائلات السجناء والموظفين المفصولين.
- في أبريل/نيسان الماضي، أوقفت السلطات ٤٢ شخصاً، غالبيتهم من النساء، بتهمة تقديم مساعدات عينية وغذائية لعائلات مرتبطة بالحركة خلال شهر رمضان.
- في عام ٢٠٢٢، قادت السلطات عملية أمنية واسعة شملت البلاد بأكملها، وأسفرت عن توقيف ما لا يقل عن ٥٩٩ شخصاً بتهم تلقي أو توزيع تبرعات ومساعدات غذائية.
موقف خبراء الأمم المتحدة: التحذير من “العقوبة بالتبعية“
أثارت هذه السياسات انتقادات دولية واسعة؛ وحذر خبراء تابعون للأمم المتحدة في مراسلة رسمية صدرت في أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٥ من قيام السلطات التركية بـ”تجريم السلوكيات القانونية والطبيعية”. وأشار الخبراء إلى أن علاقات القربى، واختيار المدارس، والدراسة الدولية، والتحويلات المالية الروتينية، باتت تُعامل كأدلة قطعية على الإدانة دون الحاجة لتقديم إثباتات على التورط في أعمال عنف أو تقديم دعم عملي لعمليات هجومية.
ووصف التقرير الأممي هذا النهج بـ”العقوبة بالتبعية” أو “الذنب بالارتباط“، مؤكداً أنه يتعارض تماماً مع المبدأ القانوني الدولي الراسخ المتمثل في “الشخصية والفردية في المسؤولية الجنائية”. كما نبه الخبراء إلى أن قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة في تركيا تتيح اعتقال الأفراد دون أي دليل على وجود نية عنيفة أو تحريض.
أرقام وحقائق: الحصيلة الإجمالية لحملة التطهير
توضح الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة العدل التركية حجم وتغلغل هذه الملاحقات في المجتمع التركي منذ عام ٢٠١٦:
- أعلن وزير العدل التركي، أكين غورليك، في يوليو/تموز الماضي أن عدد الأشخاص الذين واجهوا إجراءات قانونية بتهمة الانتماء إلى “منظمة إرهابية مسلحة” على خلفية صلاتهم بحركة غولن قد بلغ ٧٢٠,٥٨٠ شخصاً.
- أصدرت المحاكم التركية ١٢٧,١٠٢ حكماً بالإدانة.
- ما تزال هناك ٥٤,٠٢٧ قضية قيد التحقيق، و٢٩,٩٠٩ محاكمة مستمرة أمام القضاء.
- يتواجد حالياً أكثر من ١٠ آلاف شخص داخل السجون التركية بموجب هذه التهم.
- يُذكر أنه تم فصل أكثر من ١٣٠ ألف موظف حكومي من وظائفهم عبر مراسيم طوارئ عقب محاولة الانقلاب عام ٢٠١٦، دون خضوع هذه القرارات لرقابة برلمانية أو قضائية فعالة.
الخلفية السياسية: جذور الصراع المستمر
يعود بدء استهداف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لحركة الخدمة إلى ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٣، وذلك في أعقاب تحقيقات واسعة في قضايا فساد طالت أردوغان وأفراداً من عائلته والدائرة المقربة منه، وهي التحقيقات التي اعتبرها أردوغان آنذاك “مؤامرة” حيكت ضده من قبل منتسبي الحركة.
وفي مايو/أيار ٢٠١٦، صنفت الحكومة التركية الحركة رسمياً كـ”منظمة إرهابية”، لتتضاعف وتيرة الملاحقات والاعتقالات بعد محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو/تموز من العام نفسه. وبينما تنفي حركة الخدمة باستمرار أي تورط لها في المحاولة الانقلابية أو ممارسة أي أنشطة إرهابية، فإن الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية الكبرى ترفض تصنيف الحركة ككيان إرهابي.

