في خطوة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط السياسية والدينية في تركيا، تداخلت الإجراءات القضائية مع الصراعات السياسية العميقة لتكشف عن ملامح مرحلة جديدة من التعامل مع الحركات الدينية.
ويرى المحلل السياسي التركي أرقم طوفان أن ما تشهده البلاد ليس مجرد تحقيقات جنائية تقليدية، بل هو جزء من استراتيجية أوسع ينتهجها نظام الرئيس رجب طيب أردوغان لفرض السيطرة الكاملة وإخضاع كافة الجماعات الدينية تحت مظلة واحدة.
من التصفية القضائية إلى نبش القبور: فك شفرة قضية “السليمانيين“
يوضح المحلل السياسي أرقم طوفان أن القضية تفجرت بشكل متسارع عقب حملة أمنية منسقة شنتها السلطات التركية في الثالث عشر من أغسطس/آب، شملت مداهمات متزامنة في سبع عشرة ولاية. وأسفرت هذه العملية عن اعتقال اثنين وثلاثين شخصاً، من بينهم علي خان كوريش، الزعيم الحالي لجماعة “السليمانيين“. ولم تقتصر الإجراءات على التوقيف؛ بل امتدت لتشمل السيطرة على شركات الجماعة، وتعيين حراس قضائيين (أوصياء) عليها، ومصادرة أصولها المادية، وإغلاق حساباتها المصرفية، واقتحام مهاجعها التعليمية.
وفي تطور لافت أثار تساؤلات عميقة، جرى بعد أيام قليلة وتحديداً في التاسع عشر من الشهر فتح قبر الزعيم السابق للجماعة، أحمد عارف دنيز أولغون، الذي وافته المنية قبل عشر سنوات (في سبتمبر/أيلول ٢٠١٦). وبحسب طوفان، فإن الحكومة تحاول استصدار تقرير من اللجنة الطبية الشرعية يزعم وجود شبهة جنائية عقب رصد أربع كدمات ونزيف في منطقة الصدر لتعزيز احتمالية الوفاة نتيجة كتم الأنف والفم، على الرغم من أن الوفاة سُجلت رسمياً آنذاك على أنها ناتجة عن نزيف دماغي طبيعي.
ويتساءل طوفان هنا عما إذا كان القضاء يبحث بالفعل عن الحقيقة بعد كل هذه السنين، أم أن السلطة السياسية توظف ملف القتل -إن صح- لفرض ضغوط على علي خان كوريش من أجل إجباره على التنحي وتنصيب قيادة جديدة موالية للقصر. ويشير المحلل التركي إلى أن زعيم السليمانيين السابق دنيز أولغون توفي بعد ٥٤ يوماً فقط من محاولة الانقلاب الغامضة في ٢٠١٦، وإن كانت هناك شبهات جنائية في وفاته، فإن دوافع أردوغان لارتكاب جريمة القتل أكثر وأقوى من زعيم الجماعة الحالي، وذلك لأن الزعيم السابق كان معروفاً بمواقفه الصلبة وعدم خضوعه لسياسات أردوغان.
وأعاد المحلل للأذهان وفاة الرئيس الأسبق لحزب الاتحاد الكبير، محسن يازجي أوغلو، في ظروف غامضة مشابهة، بعد ما رفض التحالف مع أردوغان ووجه انتقادات لاذعة لسياساته وتحدث علنا عن فضائح فساد حكومته، وبدأ يمثل بديلا عن حزب العدالة والتنمية في الأوساط المحافظة.
معادلة السلطة الدينية: الطاعة مقابل النفوذ والتمويل
على صعيد العلاقات الهيكلية، يحلل أرقم طوفان طبيعة صلة أردوغان بالجماعات الدينية، مؤكداً أنها ليست علاقة قائمة على العقيدة أو الإيمان، بل هي علاقة إخضاع وولاء سياسي بالدرجة الأولى. ويرى طوفان أن القصر الرئاسي يعتمد معادلة واضحة:
- الجماعات التي تبايع وتعلن ولاءها الكامل وتحشد الأصوات الانتخابية تحظى بتسهيلات غير محدودة، وتُفتح لها أبواب مؤسسات الدولة ومواردها المالية.
- الكيانات التي تصر على استقلال قرارها وتعبّر عن معارضتها تواجه حزمة عقوبات تبدأ من الملاحقات القضائية وتجميد الأنشطة وتصل إلى السجون ونبش القبور.
ويؤكد المحلل التركي أن هذه “العصا الغليظة” لا تقتصر على الحركات الدينية المستهدفة مثل جماعتي “السليمانيين” و”الفرقان“، بل تُرفع كرسالة تحذيرية لكل القوى السياسية العلمانية ومنظمات المجتمع المدني في البلاد لردع أي محاولة للخروج عن الإطار المرسوم لها.
هاجس الشرعية الدينية: لماذا يخشى أردوغان صوت الاعتراض؟
يكشف طوفان عن الجانب النفسي والأيديولوجي وراء هذه الصراعات، موضحاً أن غضب أردوغان واستهدافه للجماعات المستقلة ينبع من سعيه الدؤوب لترسيخ شرعيته الدينية. فالرئيس التركي، وفقاً لطوفان، لا يرى نفسه مجرد رئيس جمهورية، بل يطمح للعب دور “الخليفة” وحامي العالم الإسلامي والمدافع عنه. وبناءً على ذلك، فإنه لا يطلب مجرد أصوات في صناديق الاقتراع، بل يطالب بـ “ولاء ديني كامل” يجعل من الاختيار السياسي جزءاً من الإيمان والالتزام العقائدي.
ومن هنا، فإن اعتراض أي جماعة دينية يمثل ضربة قاصمة لهذه السردية؛ لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن السلطة السياسية لا تملك سلطاناً على الإيمان. ويشير طوفان إلى ملمح سيكولوجي هام يتلخص في أن “الطاعة ليست معدية، لكن الاعتراض والرفض ينتقل بسرعة كالنار في الهشيم“. ويخشى النظام التركي أن يفتح صمود أي جماعة الباب أمام تساؤلات داخل الجماعات الأخرى حول جدوى رهن قراراتها ومؤسساتها لخدمة مشروع عائلي سياسي واحد، مما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الهيمنة الدينية والانتخابية للتحالف الحاكم.
“جماعة الطيبين”: ملامح الكيان الموازي الجديد
في قراءته للمشهد التركي، يطرح أرقم طوفان مفهوماً لافتاً يسميه “جماعة الطيبين” (Tayyibiler Cemaati). ويوضح أن هذا المصطلح لا يشير إلى طريقة صوفية تقليدية مرخصة، بل هو مظلة تنظيمية كبرى عابرة للهياكل التقليدية، تضم تحت لوائها جمعيات، ومؤسسات إعلامية، ودعاة، وطرقاً صوفية أعلنت ولاءها التام للقصر مقابل الاستفادة من المال العام والموارد الاقتصادية.
ويضيف طوفان أن هذه البنية المتكاملة تتميز بخصائص تنظيمية فريدة:
- القيادة والمرجعية: يتربع رجب طيب أردوغان على رأس الهرم كقائد طبيعي وروحي، في حين يتم إعداد نجله بلال أردوغان كوارث مفترض لهذا النفوذ، مما يكرس منطق “الحكم السلالي العائلي” وانتقال الإرث السياسي داخل نطاق الأسرة عوضاً عن الأطر الحزبية التقليدية.
- معايير الصعود: تحل “الولاءات الشخصية” و”التبعية المطلقة” محل الكفاءة والخبرة، ويتم إرجاع أي نجاح للقائد الأوحد، في حين تُنسب الإخفاقات والأزمات بشكل دائم للمؤامرات الخارجية.
- ازدواجية المعايير القانونية والأخلاقية: تُشرعن التجاوزات المالية والفساد طالما صدرت من المقربين وتُعتبر “مكافآت مستحقة لخدمة القضية”، في حين تصنف تصرفات الخصوم كجرائم كبرى ومؤامرات. كما تتبدل التصنيفات السياسية والأخلاقية فوراً بناءً على الموقف من السلطة؛ فالعدو القديم يطهر ويُقبل إذا تحالف، والصديق القديم يُخون ويُلاحق إذا اعترض.
صناعة الواقع البديل وتجريف المفاهيم الأخلاقية
على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، يشير المحلل السياسي أرقم طوفان إلى أن النظام يعيش في عالم موازٍ تتم فيه إعادة صياغة الحقائق لتلائم الرواية الرسمية:
- الاقتصاد والفقر: يرفض الخطاب الرسمي الاعتراف بوجود أزمة اقتصادية، ويتم ترويج التضخم كـ “تحديث للأسعار”، والفقر كـ “ابتلاء لتدريب الصبر”، بينما يُلام الشباب الباحث عن عمل بتهمة “الكسل واشتراط جودة الوظائف”.
- مظاهر البذخ والنفوذ: يتم تصوير القصور الرئاسية الفاخرة على أنها “هيبة للأمة”، والمواكب الضخمة كـ “عظمة للدولة”، في حين تُواجه مطالب المتقاعدين بتحسين مستواهم المعيشي والغذائي بوصفها “عبئاً يهدد ميزانية الدولة”.
- تسييس القضاء والإعلام: يصبح الإعلام حراً فقط في ترديد صدى سردية القصر، ويتحول القضاء إلى أداة تتحرك مع اتجاه الرياح السياسية التي تهب من الرئاسة.
وفي نهاية المطاف، يرى طوفان أن الخطر الأكبر لـ “جماعة الطيبين” يكمن في تجريد الدين من بعده الأخلاقي وتحويله إلى درع واقٍ لحماية مصالح السلطة. وتتحول المعصية والذنب من مخالفة لأوامر الخالق إلى “مخالفة لأوامر القائد والاعتراض عليه”، ليكون الاعتراض هو الذنب الوحيد الذي لا يغتفر في هذا النظام.
ويخلص المحلل السياسي التركي أرقم طوفان إلى أن نبش القبور لا يعكس قوة النظام، بل يفضح خوفه العميق من جملة بسيطة عجزت كل أدوات الترهيب عن دفنها: “لا أبايع“.

