أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، مرسوماً رئاسياً يقضي بتعيين مصطفى خليل عبدي، الشهير عسكرياً وشعبياً باسم مظلوم عبدي (أو مظلوم كوباني)، مستشاراً في رئاسة الجمهورية. ويأتي هذا التعيين الرمزي ذو الأبعاد السياسية العميقة بعد أيام قليلة من إعلان عبدي رسمياً عن حل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كمنظمة عسكرية مستقلة، عقب استكمال دمج عناصرها وقواتها بالكامل في هياكل وألوية الجيش السوري.
ويعد هذا التطور علامة فارقة على طريق إنهاء الإدارات الموازية والهياكل العسكرية والمدنية المستقلة التي دعمت الحكم الذاتي الكردي لسنوات، لتبسط دمشق سيطرتها الكاملة مجدداً على مناطق شمال شرقي البلاد.
مرسوم رئاسي وتتويج لإنهاء الانقسام العسكري
وفقاً للمرسوم الرئاسي رقم 164 لعام 2026، الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، فقد جرى تسمية عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية. ويقود عبدي منذ سنوات التحالف العسكري ذي الغالبية الكردية، الذي شكّل الشريك الأساسي والمحلي الأبرز للولايات المتحدة في عملياتها الميدانية للقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في المنطقة.
وقد أعقب الإعلان عن هذا المرسوم تأكيدات عبدي بأن حل “قوات سوريا الديمقراطية” جاء إثر إتمام دمج الوحدات العسكرية الكردية بالكامل في ألوية الجيش السوري. ويعد هذا الإجراء العسكري تطبيقاً عملياً وبنداً رئيسياً في الاتفاق الاستراتيجي المبرم في شهر يناير/كانون الثاني الماضي بين دمشق والإدارة الكردية، والذي قضى بإدماج القوى العسكرية والمدنية في مناطق شمال شرقي سوريا تحت مظلة المؤسسات الرسمية للدولة.
تبدلات ميدانية ودبلوماسية سرّعت خطى الدمج
لم يكن خيار التخلي عن الاستقلالية العسكرية والإدارية سهلاً بالنسبة للأكراد، لكنه جاء مدفوعاً بضغوط ميدانية وتوازنات سياسية جديدة؛ حيث تسارعت وتيرة الاندماج بشكل حاد بعد اشتباكات عنيفة اندلعت في يناير/كانون الثاني الماضي، خسرت إثرها القوات الكردية مساحات واسعة من نفوذها الجغرافي لحساب القوات السورية الرسمية.
وفي الوقت نفسه، طرأ تحول ملحوظ على السياسة الدبلوماسية الأمريكية، حيث بدأت واشنطن في التقارب تدريجياً مع القيادة السورية الجديدة في دمشق. وتجلى هذا التقارب في الموقف الإيجابي الذي عبّر عنه المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الذي أثنى على الاتفاق واصفاً إياه بأنه يمثل “الصورة الحقيقية للاندماج الفعال”، مشيداً بإشراك القادة الأكراد السابقين وتمكينهم في مؤسسات الدولة الرسمية.
ويشكل هذا التطور نهاية لمرحلة تاريخية بدأت في عام 2015 عندما تأسست “قسد” بدعم عسكري لوجستي من واشنطن، لتلعب دوراً محورياً في هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتحديداً في المعركة الشهيرة بمدينة كوباني (عين العرب)، قبل أن تبسط سيطرتها كقوة عسكرية وإدارية مهيمنة على مناطق شاسعة شمال وشرق سوريا طوال فترة النزاع المسلح.
مكاسب مدنية ولغوية: البديل السياسي لإنهاء السلاح
مقابل تسليم الملفين العسكري والإداري لدمشق، حصل المكون الكردي السوري على حزمة من الحقوق والتنازلات السياسية والمدنية غير المسبوقة لتعزيز هويهم القومية واللغوية. وتزامن قرار تعيين عبدي مع خطوة تنفيذية هامة من وزارة التربية السورية، التي رخصت رسمياً لتدريس اللغة الكردية في المدارس العامة والخاصة داخل المناطق التي تشهد كثافة سكانية كردية. وتقرر إدراج المادة كمساق اختياري بواقع حصتين أسبوعياً لجميع المراحل التعليمية بدءاً من العام الدراسي المقبل 2026-2027.
وتأتي هذه الخطوات تفعيلاً لمرسوم رئاسي تاريخي أصدره الرئيس أحمد الشرع في يناير/كانون الثاني الماضي، والذي شمل حزمة من القرارات الإصلاحية والتصالحية الهامة:
- الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية تدرس رسمياً في المنظومة التعليمية للبلاد.
- تأكيد الهوية الوطنية: النص على أن الأكراد السوريين يمثلون جزءاً أصيلاً ولا يتجزأ من الشعب السوري.
- حل قضية الجنسية: إلغاء الإجراءات السلبية كافة الناجمة عن إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، والذي تسبب في حرمان آلاف الأكراد السوريين من جنسيتهم وحقوقهم المدنية لعقود طالت.
- الاحتفاء بالمناسبات القومية: إعلان عيد “النوروز” عطلة وطنية رسمية في جميع أنحاء سوريا.
تطلعات دستورية وعقبات متبقية
على الرغم من طي صفحة الإدارة الكردية المنفصلة ودمج مؤسساتها رسمياً في بنية الدولة، لا يزال التحدي الدستوري يمثل الورقة الأبرز في حسابات الأكراد؛ إذ صرّح مظلوم عبدي مؤخراً بأن إنجاز عملية الاندماج لا يعني التوقف عن المطالبة بالحقوق، مؤكداً مواصلة الجهود السياسية الرامية لضمان انتزاع نصوص دستورية واضحة تكفل حقوق الأكراد السوريين في الدستور الجديد للبلاد.
وتكتسب هذه المطالبات السياسية زخماً كبيراً بالنظر إلى الثقل السكاني للأكراد في سوريا، والذين تقدر أعدادهم بنحو مليوني نسمة، يتوزعون بشكل رئيسي في مناطق الشمال الشرقي، إلى جانب حضور ديمغرافي فاعل في أحياء وتجمعات سكنية كبرى بمدينتي حلب والعاصمة دمشق.

