أعربت وزارة الخارجية التركية عن ترحيبها البالغ بالقرار الأمريكي القاضي بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. واعتبرت أنقرة أن هذه الخطوة ستعطي قوة دفع جديدة للمساعي الدولية الرامية إلى تعزيز الروابط بين سوريا والمجتمع الدولي، فضلاً عن دورها في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الدائمين في البلاد.
ووصفت الدبلوماسية التركية القرار بأنه يزيل “أحد العوائق الرئيسية” التي كانت تقف في طريق التعافي الاقتصادي وجهود إعادة الإعمار في البلد الذي مزقته الحروب. وفي هذا السياق، أشادت الوزارة بموقف الإدارة الأمريكية والكونغرس لدعمهما هذا المسار، موجهةً دعوة للمجتمع الدولي للمساهمة الفعالة في بناء سوريا مزدهرة والعمل على “وضع حد للتحركات العدوانية” التي تعوق تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.
تفكيك عزلة عقود: تفاصيل القرار والتحول الدبلوماسي
دخل القرار الأمريكي حيز التنفيذ لينهي حقبة طويلة من العقوبات الاقتصادية الخانقة المفروضة على دمشق منذ إدراجها على قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 1979. ويمثل هذا التطور خطوة بارزة نحو دفء العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ودمشق بعد عقود من القطيعة.
وتوازياً مع هذا القرار، اتخذت المؤسسات الأمريكية خطوات عملية لترجمة هذا التحول، فقد ألغت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف “جبهة النصرة”، المعروفة حالياً باسم “هيئة تحرير الشام”، كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص. وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن تقديم تسهيلات إضافية وتخفيف لتدابير العقوبات المفروضة على سوريا.
كما أكد وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسينت، أن هذه الإجراءات تهدف إلى تحفيز الاستثمارات الأجنبية في الداخل السوري لدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
كذلك أوضحت الخزانة الأمريكية أن هذه القرارات تتماشى مع الوعود التي قطعها الرئيس دونالد ترامب بتقديم إعفاءات من العقوبات لسوريا. ومع ذلك، شددت الإدارة الأمريكية على أن رفع القيود لا يعني تغييراً في استراتيجيتها الشاملة لمكافحة الإرهاب العالمي، أو تراجعاً عن التزامها بمحاسبة “الأطراف السيئة” داخل سوريا.
وفي إطار ردود الفعل الاقتصادية، وصف حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، القرار بأنه خطوة تاريخية تعيد سوريا إلى مكانها الطبيعي في المنظومة الاقتصادية العالمية، مشيراً إلى أن المصرف المركزي يعمل حالياً على تشييد نظام مالي حديث وموثوق. من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أن شطب سوريا يفتح للسوريين “طريقاً نحو الازدهار”، ويزيل العقبات الأخيرة أمام استثمارات القطاع الخاص، مما يسرع وتيرة إعادة الإعمار والاندماج الاقتصادي العالمي.
من السلاح إلى السلطة: قراءة في خلفيات التحول السياسي
يرتبط هذا التغير الجذري في الموقف الأمريكي بالتحولات الميدانية المتسارعة التي شهدتها سوريا؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، نجحت المعارضة المسلحة بقيادة “هيئة تحرير الشام” في الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد، مما أنهى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلته عقب حرب أهلية دموية استمرت قرابة أربعة عشر عاماً.
وكانت “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) قد فكت ارتباطها بتنظيم “القاعدة” في عام 2016. ويعتبر القرار الأمريكي الأخير بمثابة شهادة ثقة في القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، القائد السابق للهيئة، الذي تولى سدة الحكم عقب سقوط النظام السابق.
وقد تبلور هذا التقارب بشكل ملموس في يوليو/تموز الماضي عندما أعلنت واشنطن عن نيتها شطب سوريا من القائمة، وتوج ذلك بلقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عقدت في مجمع “بش تبه” الرئاسي بالعاصمة التركية أنقرة في الثامن من يوليو/تموز 2026. ويسعى الشرع، الذي كان ينتمي للتيار الجهادي في السابق، إلى تقديم نفسه كقائد وطني جامع لإنهاء عزلة سوريا الدولية وفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي.
رؤية تحليلية: أبعاد التغيير وآفاق المستقبل
تحمل هذه الخطوة المتكاملة دلالات جيو-استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد رفع عقوبات اقتصادية؛ إذ تعكس سرعة الاستجابة الأمريكية تجاه دمشق براغماتية متزايدة في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، التي تفضل نسج علاقات مباشرة مع سلطات الأمر الواقع القادرة على ضبط الأمن وتوفير بديل مستقر، بدلاً من إبقاء البلاد في حالة شلل اقتصادي قد يغذي الاضطرابات مجدداً.
من ناحية أخرى، تبرز أنقرة كعرّاب ومسهّل أساسي لهذا التحول؛ إذ لم يكن اختيار العاصمة التركية لعقد اللقاء التاريخي بين ترامب والشرع بمثابة تفصيل بروتوكولي، بل هو تأكيد على الرؤية المشتركة بين أنقرة وواشنطن لدعم استقرار سوريا كجزء حيوي من أمن الإقليم. ومع ذلك، تظل التحديات أمام دمشق هائلة؛ فالانتقال من هيكلية فصيل مسلح إلى إدارة دولة ومصرف مركزي يتطلب إصلاحات قانونية وهيكلية عميقة لإقناع رأس المال الدولي بالعودة، وهو ما يفسر حرص المسؤولين السوريين على الحديث الفوري عن بناء نظام مالي حديث ومتوافق مع المعايير الدولية.

