كشف السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، عن فرضيات معقدة تحيط بالضربة الجوية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قاعدة جوية شمال غربي سوريا، مرجحاً أن تكون الخطوة محاولة إسرائيلية “لاستدراج” أنقرة إلى رد فعل عسكري مباشر في المنطقة.
وفي مقابلة صحفية أجراها عبر الإنترنت مع الإعلامي ماريو نوفل، أوضح الدبلوماسي الأمريكي أن واشنطن تبحث في عدة سيناريوهات لتفسير الهجوم الإسرائيلي على قاعدة “أبو الضهور” الجوية، مؤكداً في الوقت ذاته غياب التنسيق المسبق بين تل أبيب وكل من واشنطن وأنقرة قبيل انطلاق المقاتلات الإسرائيلية.
طائرات بلا إنذار مسبق: تفاصيل الغارات على القاعدة الجوية
شنت المقاتلات الإسرائيلية ثماني غارات جوية استهدفت بشكل مباشر مدرج قاعدة “أبو الضهور” الجوية ومواقع التخزين داخلها. ورغم كثافة الهجوم وحجم الاستهداف، فإن الغارات لم تسفر عن وقوع قتلى أو جرحى في صفوف القوات المتواجدة بالقاعدة الجوية الواقعة في شمال غربي سوريا.
وفي حين بررت تل أبيب قصفها للقاعدة بوجود معلومات استخباراتية تفيد بعزم دمشق السماح للقوات التركية باستخدام المنشأة العسكرية، نفت أنقرة هذه المزاعم جملة وتفصيلاً.
وكان الجانب الإسرائيلي قد أبلغ واشنطن، قبل ستة أيام من الهجوم، برصده تحركات عسكرية تركية محتملة في الموقع. إلا أن التدقيق الذي أجرته وكالات الاستخبارات الأمريكية أثبت عدم صحة تلك الادعاءات، مؤكداً عدم وجود مؤشرات على تحركات عسكرية من هذا القبيل.
فرضيات واشنطن: بين “الفخ” الإسرائيلي وارتباك التنسيق الداخلي في تل أبيب
تضع الدوائر الدبلوماسية والاستخباراتية الأمريكية عدة سيناريوهات رئيسية لتفسير السلوك الإسرائيلي الأخير وتجاوز قنوات الاتصال المعتادة:
- فرضية الاستدراج والمناورة العسكرية: تستند هذه القراءة إلى رغبة إسرائيلية محتملة في دفع أنقرة نحو رد فعل عسكري مباشر عبر استهداف منشأة تقع في نطاق النفوذ والاهتمام التركي بالشمال السوري.
- سوء التقدير الاستخباراتي: يرتبط باحتمال التقاط أجهزة الأمن الإسرائيلية لمحادثات تركية داخلية تتعلق بخطط لتوسيع برامج التدريب العسكري داخل قاعدة “أبو الضهور”؛ وهو أمر يقع ضمن الحقوق السيادية المشروعة لأنقرة، لكن تل أبيب ربما أساءت تفسيره بوصفه حشداً هجومياً.
- تصدع قنوات الاتصال الإسرائيلية الداخلية: تشير هذه الفرضية إلى وجود خلل تنسيقي وتواصل غير فعال بين الجيش الإسرائيلي، وجهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد)، ومكتب رئيس الوزراء. ويرى باراك أن هذا الارتباك قد يكون دفع بقائد عسكري ميداني إلى اتخاذ قرار فردي بتنفيذ الضربة الجوية قبل انتهاء المحادثات الجارية عبر القنوات الخلفية مع دمشق.
ظلال عام 2015: مخاوف التصادم الجوي على الحدود التركية السورية
يحمل غياب التنسيق الإسرائيلي مخاطر أمنية جسيمة في أجواء الشمال السوري المزدحمة بالفاعلين الإقليميين والدوليين. فقد أكد السفير الأمريكي أن المقاتلات الإسرائيلية حلقت باتجاه الحدود التركية دون توجيه أي تحذير مسبق لواشنطن أو أنقرة.
ووفقاً للتحليل الدبلوماسي، فإن اقتراب مقاتلات حربية مجهولة الهوية والاتجاه من الحدود التركية دون تنسيق يضع الدفاعات الجوية لأنقرة في حالة استنفار قصوى، مما يدفعها حتماً للتفكير في إرسال طائراتها الاعتراضية (Scramble) لحماية أجوائها والتصدي لأي خرق محتمل. وتعيد هذه الأجواء المتوترة إلى الأذهان حادثة إسقاط تركيا لمقاتلة روسية قرب حدودها مع سوريا في عام 2015. وفي هذا السياق، حذر توم باراك من أن تكرار مثل هذه الرحلات الجوية غير المعلنة يمثل تهديداً مباشراً قد يخرج عن السيطرة في أي لحظة.
دمشق بعد الأسد: خريطة تحالفات جديدة ومساعٍ أمريكية للتهدئة
تأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في ظل واقع جيوسياسي جديد تشهده سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024 على يد قوات الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع. ومنذ ذلك الحين، برزت تركيا كأحد أبرز الداعمين الاستراتيجيين للإدارة السورية الجديدة في دمشق.
وفي إطار السعي لاحتواء التصعيد الإقليمي المتزايد، تعمل واشنطن بجد على صياغة آلية لمنع الاحتكاك العسكري وتجنب الصدامات المباشرة بين الأطراف الثلاثة: تركيا، وإسرائيل، وسوريا. ويتزامن هذا التحرك الدبلوماسي مع ملفات استراتيجية إقليمية هامة، حيث تدرس دمشق بجدية إمكانية الانضمام إلى حلف دفاعي إقليمي يضم كلاً من تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، مما قد يعيد رسم توازنات القوى الإقليمية بالكامل.
حرب دبلوماسية مفتوحة: من ملاحقة “الإنتربول” إلى سجال قادة أنقرة وتل أبيب
لم تقتصر شظايا الضربة العسكرية على الجانب الميداني السوري، بل تزامنت مع مواجهة دبلوماسية وقانونية متصاعدة بشكل غير مسبوق بين أنقرة وتل أبيب. فقد بدأت السلطات التركية رسمياً إجراءات قانونية لمطالبة منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) بإصدار “مذكرات حمراء” لملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومتهم آخر يواجه القضية ذاتها.
وقد أعقب هذه الخطوة القضائية سجال حاد وتبادل للاتهامات والإهانات الشخصية المباشرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو. ورغم الخصومة السياسية الحادة داخل الساحة التركية، فقد شهد هذا الملف إجماعاً داخلياً نادراً؛ إذ أعلن زعيم المعارضة التركية الرئيسية أن بلاده تقف جبهة متحدة ضد سياسات نتنياهو، مؤكداً تجاوز الخلافات السياسية الداخلية مع أردوغان في هذا الصدد.
وفي موازاة ذلك، ذهبت المقترحات السياسية في أنقرة إلى مدى أبعد؛ إذ دعا السياسي التركي بهجلي إلى تعليق عضوية إسرائيل في منظمة الأمم المتحدة، وطرح مشروعاً لإقامة خطة أمنية إقليمية مشتركة لمواجهة التهديدات الراهنة. وتتكامل هذه المواقف السياسية مع تدابير اقتصادية وتنظيمية أخرى، حيث فرضت السلطات التركية غرامات مالية على شركة “ميتا” بتهمة فرض قيود على المنشورات المؤيدة للفلسطينيين عبر منصاتها.

