شهدت الساحة التركية مؤخراً تحولاً جذرياً في تعامل السلطة مع الجماعات الدينية، تمثل في عملية أمنية واسعة استهدفت جماعة “السليمانيين”، وهي العملية التي يرى الكاتب الصحفي التركي والأستاذ السابق في أكاديمية الشرطة، أمره أوسلو، أنها تتجاوز مجرد الإجراءات القانونية الروتينية لتصل إلى حد “عملية تصفية شاملة”.
في تحليل موسع نشره على موقع يوتيوب، يؤكد أوسلو أن هذه الخطوة، التي أسفرت عن اعتقال قرابة تسعة وأربعين من قيادات الجماعة، ليست وليدة الصدفة أو نتاج تقارير مالية بحتة، بل هي تنفيذ لأجندة سياسية وأمنية عميقة.
جذور الصراع والتحالف “غير المقدس“
يشير أمره أوسلو إلى وجود تقاطع مصالح استراتيجي بين الرئيس رجب طيب أردوغان وبين تنظيم “أرغنكون” (الدولة العميقة)؛ فبينما يسعى “أرغنكون” تاريخياً لتجفيف منابع الحركات الدينية ذات الجذور المتأصلة في التربة التركية، يجد أردوغان في هذه الجماعات عائقاً أمام مشروعه الرامي إلى احتكار الفضاء الديني والسياسي وتوحيد القاعدة الإسلامية تحت عباءة “الإسلام السياسي” الرسمي.
ويرى أوسلو أن هذه العملية تعيد إلى الأذهان وعود زعيم حزب الوطن القومي العلماني المتشدد “دوغو برينجك” عند خروجه من السجن في ٢٠١٤ باستئصال جذور كل الجماعات الدينية واحدة تلو الأخرى، بدءاً من حركة الخدمة وصولاً إلى السليمانيين اليوم.
يشار إلى أن برينجك يعتبر من أخطر رجال تنظيم أرغنكون / الدولة العميقة الذين يحملون أيديولوجية كمالية متشددة تعادي الحركات الدينية الأصيلة النابعة من تربة الأناضول. وطبيعة عمل هذا الطرف تعتمد على استخدام أدوات الدولة الأمنية والقانونية لتفكيك الهويات الدينية والمجتمعية التي يراها تهديداً لنموذج الدولة الذي يتبناه، وقد توعدت قيادات هذا التيار علناً بإنهاء الجماعات الدينية تباعاً.
علاوة على ذلك، يوضح أوسلو أن الجماعة تمتلك عمقاً اجتماعياً فريداً يجعلها “أعمق جماعة في المجتمع التركي”، إذ تغلغلت في القرى والأرياف عبر شبكة واسعة من المساكن الطلابية والمؤسسات التعليمية. هذا الانتشار التاريخي، الذي بدأه المؤسس سليمان حلمي طوناخان عبر تعليم القرآن في مقصورات القطارات تحدياً للقوانين العلمانية الصارمة في بدايات الجمهورية، جعل الجماعة “رقماً صعباً” يصعب تدجينه بالكامل داخل أجهزة الدولة الحالية.
حرب المساكن الطلابية والمنافسة التعليمية
من الزاوية التحليلية التي يقدمها أوسلو، يبرز صراع خفي بين نموذج “مدارس إمام وخطيب” (مدارس الأئمة والخطباء) وبين “مساكن السليمانيين”. ويرى أن السلطة السياسية، ومن خلال أدواتها كالمؤسسات التي يشرف عليها بلال أردوغان منذ عام ٢٠١٢، تسعى للسيطرة المطلقة على الموارد البشرية والمالية للجماعات. ويصف أوسلو المنافسة بأنها تعليمية وأيديولوجية؛ فبينما تركز مدارس إمام وخطيب على تخريج كوادر موالية سياسياً، تتميز مساكن السليمانيين بنظام انضباطي صارم وتعليم متين للقرآن والقواعد الدينية التقليدية، مما خلق نوعاً من الغيرة المؤسسية لدى أقطاب الإسلام السياسي الذين يسعون لابتلاع هذه الكيانات وضمها لـ “الحديقة الخلفية” للحزب الحاكم.
أما بالنسبة لتنظيم “أرغنكون”، فإن استهداف السليمانيين هو استكمال لمشروع تاريخي يهدف لتجفيف منابع التدين المستقل في تركيا، أيا كان. ويشير أوسلو إلى أن هذا الطرف يستخدم أردوغان كـ”واجهة” لتنفيذ هذه التصفية، لأن أردوغان يمتلك القدرة على إقناع القاعدة الشعبية المحافظة بهذه الإجراءات تحت مسميات “الأمن القومي” أو “مكافحة التجسس”، وهو ما لم يكن بوسع العلمانيين المتشددين فعله وحدهم.
البعد الدولي: ألمانيا كساحة صراع استخباراتي
يُفرد أمره أوسلو مساحة واسعة لتحليل “العامل الألماني” في هذه الأزمة، معتبراً إياه المحرك الفعلي للغضب الحكومي التركي. وتتلخص الرؤية في أن ألمانيا ضاقت ذرعاً بتحول “ديتيب” (الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية) إلى ذراع استخباراتية وتعبوية لنظام أردوغان، فبدأت تبحث عن بدائل محلية لتقديم الخدمات الدينية للجاليات المسلمة بعيداً عن تأثير الحكومة التركية. وهنا برز “السليمانيون” كخيار مثالي للألمان نظراً لتواجدهم القديم (منذ السبعينيات)، وتبنيهم لمنهج صوفي غير راديكالي، وامتلاكهم بنية تحتية تعليمية قوية.
هذا التقارب المفترض أو “الحاجة الألمانية” لاستيعاب الجماعة ضمن إطار قانوني محلي، اعتبرته أنقرة “خيانة” وعمالة لأجهزة استخبارات أجنبية. وبحسب تحليل أوسلو، فإن اتهام الجماعة بتهريب الأموال إلى الخارج أو العمل كـ “عملاء لألمانيا” هو الغطاء الدعائي لتبرير ضرب نفوذها العابر للحدود، خاصة بعد أن فشل أردوغان في إخضاع فروع الجماعة في الخارج وتحويلها إلى أدوات للدعاية السياسية له في أوروبا.
استراتيجية “التفكيك المالي” ومصير الجماعة
في قراءته للمستقبل، يرى أمره أوسلو أن السلطة تطبق “بروتوكول تصفية” مشابه لما حدث مع جماعة كولن، يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية:
- تجفيف المنابع الاقتصادية من خلال وضع اليد على الشركات والمؤسسات الممولة للمساكن الطلابية.
وقد تم وضع اليد بالفعل على اثنتين وثلاثين شركة تمول أنشطة الجماعة.
- ضرب الموارد البشرية عبر الاعتقالات والترهيب الأمني للقيادات الميدانية.
- السيطرة على الوسائل الإعلامية أو تحييدها تماماً.
ويؤكد أوسلو أن الحديث عن تعيين “وصي” على الجماعة أو استبدال قياداتها بأشخاص موالين للسلطة هو مجرد مرحلة انتقالية، والهدف النهائي هو إنهاء الكيان المستقل للجماعة ودمج أصولها ومساكنها في الكيانات التي يديرها المقربون من دوائر الحكم. ويختم أوسلو تحليله بأن “المعجون قد خرج من الأنبوب”، ولا يمكن التراجع عن هذه المواجهة؛ فإما الولاء الكامل والتحول إلى أداة في يد السلطة، أو الاستعداد لمواجهة عمليات أمنية أكثر شمولاً وقسوة في المرحلة المقبلة.

