يبدأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس الثلاثاء زيارة رسمية إلى تركيا تستمر ثلاثة أيام، بدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان، على أن يلتقي الزعيمان الأربعاء في أنقرة لبحث تطورات الأراضي الفلسطينية، والعلاقات الثنائية، إلى جانب ملفات إقليمية ذات اهتمام مشترك.
وتأتي الزيارة في توقيت حساس، إذ لم تعد قضية غزة مرتبطة بالعمليات العسكرية والأزمة الإنسانية فحسب، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بمستقبل القطاع، وإدارته، وإعادة إعمار غزة، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
غزة والسلطة الفلسطينية في صدارة المشهد
من المتوقع أن يحتل مستقبل غزة موقعاً مركزياً في محادثات أردوغان وعباس، خصوصاً مع استمرار الجدل حول الجهة التي يمكن أن تتولى إدارة القطاع، وشكل العلاقة المستقبلية بين غزة والضفة الغربية.
وتتمسك القيادة الفلسطينية بأن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تحافظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وتعزز دور المؤسسات الرسمية.
وتتقاطع هذه الرؤية إلى حد كبير مع الموقف التركي، الذي يرفض فصل غزة عن القضية الفلسطينية الأوسع، ويدعو إلى مسار سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
القدس والضفة الغربية.. الجبهة السياسية الأخرى
لن تكون غزة الملف الوحيد على طاولة اللقاء. فالضفة الغربية والقدس الشرقية تشهدان أيضاً تطورات متسارعة، في ظل استمرار الاستيطان، وعنف المستوطنين، والضغوط التي تواجهها السلطة الفلسطينية.
وتولي أنقرة أهمية خاصة للقدس والمسجد الأقصى، وقد شاركت خلال يوليو/تموز في بيان عربي وإسلامي دان الإجراءات التي اعتبرها الموقعون تهديداً للوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة.
ومن ثم، قد يسعى أردوغان وعباس إلى تنسيق المواقف بشأن حماية القدس ومنع تحويل التطورات الميدانية فيها إلى أمر واقع سياسي جديد.
زيارة تختلف عن محطة 2024
تأتي زيارة عباس بعد آخر زيارة له إلى تركيا في أغسطس/آب 2024، عندما التقى أردوغان وألقى خطاباً أمام جلسة خاصة للبرلمان التركي.
وفي ذلك الوقت، أعلن عباس عزمه زيارة غزة والقدس، وطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً؛ فالنقاش لم يعد يتركز فقط على وقف الحرب، وإنما على شكل اليوم التالي في غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل السلطة الفلسطينية، وإمكانية إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني.
تركيا تبحث عن دور أكبر
بالنسبة إلى أنقرة، يمثل استقبال عباس فرصة لتأكيد حضورها في أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية.
فتركيا تسعى إلى الحفاظ على موقعها كلاعب إقليمي مؤثر، من خلال دعم القضية الفلسطينية سياسياً ودبلوماسياً، والتنسيق مع الدول العربية والإسلامية، مع محاولة التأثير في الترتيبات المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب.
أما عباس، فيحتاج في المقابل إلى دعم إقليمي ودولي لتعزيز موقع السلطة الفلسطينية في أي ترتيبات مستقبلية تخص غزة والضفة الغربية.
السؤال الأصعب: من يدير غزة؟
تكمن أهمية اللقاء في أن السؤال الفلسطيني لم يعد يقتصر على كيفية وقف الحرب، بل أصبح مرتبطاً بما سيأتي بعدها.
من سيتولى إدارة غزة؟ وكيف ستتم إعادة إعمار القطاع؟ وهل يمكن دمج غزة والضفة الغربية ضمن إطار سياسي فلسطيني واحد؟ وما الدور الذي ستلعبه السلطة الفلسطينية في المرحلة المقبلة؟
هذه الأسئلة ستكون حاضرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في محادثات أردوغان وعباس، خصوصاً أن أي تسوية طويلة الأمد ستحتاج إلى معالجة البعد السياسي للقضية، وليس الجانب الإنساني وحده.

