تعد قضية العودة إلى “رأس العين” واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السوري المعاصر، حيث تتقاطع فيها الأحلام الإنسانية بالاستقرار مع التوازنات العسكرية والسياسية الهشة. وقد شهدت الساعات الأخيرة انتكاسة مؤلمة لهذه المساعي، بعد أن تعثرت أولى خطوات العودة الفعلية للنازحين الكرد إلى ديارهم التي هجروها قسراً قبل سنوات.
واقعة الاعتداء وانكسار موجة العودة الأولى
في خطوة كانت تهدف لإنهاء معاناة آلاف العائلات، بدأت مجموعة تضم نحو ألفين وخمسمئة شخص إجراءات العودة إلى بلدة رأس العين، الواقعة في شمال شرق سوريا، والتي تخضع لسيطرة فصائل سورية مدعومة من تركيا منذ عام 2019. ومع وصول المئات من هؤلاء النازحين إلى مشارف البلدة، تعرضوا لهجوم مباغت من قبل مجموعات مسلحة، مما أدى إلى تعليق الرحلات فوراً لدواعٍ أمنية.
وأوضح “جوان عيسو”، العضو في اللجنة الممثلة للسكان النازحين، أن الهجوم استهدف طلائع العائدين، مما استدعى تدخل الأجهزة الأمنية في محافظة الحسكة، التي أعلنت على لسان “محمود خليل علي”، نائب رئيس قوات الأمن، عن اعتقال عدد من المتورطين في الاعتداء. وأكد على أن قرار التعليق هو إجراء “احترازي” مؤقت لضمان سلامة المدنيين، مع التعهد باستئناف العودة بمجرد استتباب الأمن وتوفير الحماية الكاملة للعائدين.
المشهد الإنساني: بين الذاكرة المسلوبة وأمل العودة
تختزل “نورا خضر”، وهي نازحة في السابعة والثلاثين من عمرها، مشاعر آلاف العائلات بقولها إن العودة إلى المنزل باتت تشبه “الحلم” الذي طال انتظاره. فقد شوهدت شاحنات محملة بالأثاث والمتاع الشخصي وهي تتجمع قرب الحسكة، في مشهد يجسد الإصرار على استعادة الحياة الطبيعية رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على اندلاع النزاع السوري، الذي خلف وراءه نحو 5.5 مليون نازح داخلي وفق إحصاءات الأمم المتحدة.
وتشير التقارير إلى أن حجم الرغبة في العودة يفوق التوقعات، إذ تقدم نحو مئة ألف نازح من منطقة رأس العين بطلبات رسمية للعودة إلى ديارهم. ومع ذلك، تصطدم هذه الرغبة بواقع ميداني مرير، حيث وثقت منظمات حقوقية عمليات نهب واسعة واستيلاء على المنازل والممتلكات عقب الهجوم التركي في 2019، وما تلا ذلك من استيطان لعائلات المسلحين الموالين لتركيا في تلك البيوت، مما يجعل مسألة استعادة الملكيات عقبة قانونية وميدانية كبرى.
التداعيات السياسية والاتفاقيات الهشة
تأتي محاولة العودة هذه كأحد ثمار اتفاق جرى في يناير الماضي بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية في دمشق، والذي يهدف إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية الكردية ضمن هيكلية الدولة السورية. إلا أن هذا المسار الدبلوماسي يواجه اختبارات قاسية على الأرض؛ فالهجوم الأخير لم يوقف العودة فحسب، بل أشعل موجة غضب شعبي عارمة.
في مدينة “قامشلي” ذات الغالبية الكردية، خرجت تظاهرات غاضبة حاول خلالها المحتجون اقتحام مقار أمنية رسمية قبل أن يتم صدهم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد التوتر إلى مدينة “كوباني” (عين العرب)، حيث تعرضت مكاتب حكومية للاعتداء وتم إنزال العلم السوري من فوق أحد المقار الأمنية، وفقاً لما نقله التلفزيون الرسمي السوري.
مواقف القيادة وضبط النفس
من جانبه، أدان “مظلوم عبدي”، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الهجوم على العائلات العائدة، معرباً عن تفهمه لحالة الاحتقان في الشارع الكردي. ومع ذلك، وجه عبدي نداءً صريحاً لممارسة أقصى درجات ضبط النفس، مشدداً على ضرورة حماية المؤسسات الحكومية والأمنية وعدم الانجرار وراء ردود الفعل العنيفة. وأكد عبدي أنه يواصل العمل والتنسيق مع المسؤولين السوريين لتأمين مسار آمن ونهائي لعودة النازحين المدنيين، باعتبارها قضية إنسانية فوق الحسابات العسكرية الضيقة.
دلالات
إن تعثر عودة النازحين إلى رأس العين يكشف عن عمق الفجوة بين الاتفاقيات السياسية والواقع الميداني الذي تحكمه القوى المسلحة. فالعودة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي عملية استعادة لسيادة القانون وحقوق الملكية في مناطق شهدت تغييرات ديموغرافية قسرية. ويشير استهداف العائدين إلى وجود أطراف ميدانية ترى في هذه العودة تهديداً لمكاسبها التي حققتها خلال سنوات الحرب، مما يضع التفاهمات بين دمشق وقسد أمام تحدي القدرة على فرض الأمن الفعلي بعيداً عن الشعارات.

