أظهرت أحدث بيانات يوروستات الخاصة بالنصف الثاني من عام 2026 تراجع تركيا بصورة ملحوظة في التصنيف الأوروبي للحد الأدنى للأجور، بعدما فقدت موقعها مقارنة ببداية العام، لتقترب من ذيل القائمة بين الدول الأوروبية التي تعتمد حدًا أدنى قانونيًا للأجور.
ووفق البيانات، جاءت تركيا في المرتبة الرابعة من الأسفل بين 29 دولة أوروبية، بعدما انخفضت القيمة المقومة باليورو للحد الأدنى للأجور نتيجة استمرار تراجع سعر صرف الليرة التركية أمام العملة الأوروبية، في وقت لم تشهد فيه البلاد سوى زيادة واحدة للأجور منذ بداية العام.
ويعيد هذا التراجع الجدل مجددًا حول تأثير التضخم المستمر وانخفاض قيمة العملة المحلية على القوة الشرائية للأسر التركية، رغم الزيادات الاسمية التي تُقر على الأجور.
انخفاض القيمة الفعلية للأجر خلال أشهر قليلة
بلغ الحد الأدنى الإجمالي للأجور في تركيا مع بداية يناير/كانون الثاني 2026 ما يعادل 654 يورو، إلا أن استمرار انخفاض قيمة الليرة أدى إلى تراجع قيمته إلى نحو 621 يورو بحلول يوليو/تموز من العام نفسه.
ويعكس هذا الانخفاض خسارة ملموسة في القيمة الفعلية للأجر عند احتسابه بالعملات الأجنبية، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على القدرة الشرائية، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد التركي على الواردات وارتفاع تكلفة السلع المرتبطة بأسعار الصرف.
ويأتي هذا التراجع في وقت تعتمد فيه الحكومة التركية سياسة رفع الحد الأدنى للأجور مرة واحدة سنويًا، على خلاف السنوات السابقة التي شهدت أحيانًا زيادات نصف سنوية لمواجهة التضخم المرتفع.
أوروبا… فجوة واسعة بين تركيا والدول المتقدمة
تكشف المقارنة الأوروبية اتساع الفجوة بين تركيا والدول صاحبة أعلى مستويات الأجور.
فقد تصدرت لوكسمبورغ القائمة بحد أدنى إجمالي بلغ 2771 يورو شهريًا، تلتها ألمانيا بنحو 2343 يورو، ثم هولندا بـ 2338 يورو، فيما جاءت بلجيكا عند مستوى 2234 يورو.
وتوضح هذه الأرقام أن الحد الأدنى للأجور في تركيا لا يمثل سوى جزء محدود من نظيره في الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وهو ما يعكس الفوارق الكبيرة في مستويات الدخل والإنتاجية والقدرة الشرائية.
بلغاريا تضيق الفارق
رغم أن بلغاريا لا تزال تسجل أدنى حد أدنى للأجور داخل الاتحاد الأوروبي، عند 606 يورو، فإن الفارق بينها وبين تركيا تقلص بصورة واضحة.
فبعدما كانت المسافة أكبر في بداية العام، أصبح الحد الأدنى للأجور في تركيا يبلغ 621 يورو فقط، وهو ما جعل الفارق بين البلدين لا يتجاوز بضعة عشرات من اليورو.
ويرى مراقبون أن هذا التطور يعكس استمرار تآكل قيمة الأجور التركية عند تحويلها إلى العملات الأجنبية، أكثر مما يعكس تحسنًا جوهريًا في مستويات الأجور لدى الدول الأخرى.
ملايين العاملين يتأثرون مباشرة
تكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى أن نحو 40% من العاملين في تركيا يتقاضون الحد الأدنى للأجور، أو أجورًا قريبة منه.
وبالتالي، فإن أي تراجع في القيمة الحقيقية لهذا الأجر ينعكس مباشرة على مستوى معيشة شريحة واسعة من الأسر، خاصة مع استمرار معدلات التضخم المرتفعة وارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات والطاقة والخدمات الأساسية.
كما ينعكس ضعف القوة الشرائية على مستويات الاستهلاك المحلي، التي تعد أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي التركي.
القوة الشرائية تؤكد استمرار الضغوط
لم تقتصر مؤشرات التراجع على المقارنة الاسمية للأجور، بل امتدت أيضًا إلى حسابات تعادل القوة الشرائية (PPP)، التي تقيس القدرة الفعلية للدخل على شراء السلع والخدمات داخل كل دولة.
وبحسب بيانات يوروستات، حصلت تركيا على 973 نقطة في هذا المؤشر، لتحتل أيضًا المرتبة الرابعة من أسفل القائمة الأوروبية.
وجاءت ألبانيا في المرتبة الأخيرة بـ 705 نقاط، فيما حلت لاتفيا وإستونيا أيضًا ضمن الدول التي سجلت مستويات أقل من تركيا في هذا المؤشر.
وتشير هذه النتائج إلى أن ارتفاع الأسعار داخل تركيا ما زال يلتهم جانبًا كبيرًا من الزيادات الاسمية في الأجور، ما يحد من أثرها على المستوى المعيشي.
زيادات الأجور في أوروبا
خلال الفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2026، قامت ثماني دول أوروبية فقط برفع الحد الأدنى للأجور.
وسجلت مقدونيا الشمالية ورومانيا وإستونيا أكبر نسب الزيادة خلال تلك الفترة، في حين لم تشهد غالبية الدول الأخرى تعديلات جديدة، نتيجة استقرار معدلات التضخم نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة.
أما في تركيا، فقد أدى استمرار التضخم وتراجع سعر صرف الليرة إلى تقليص الأثر الفعلي للزيادة السنوية، وهو ما انعكس مباشرة على ترتيب البلاد في التصنيف الأوروبي.
التضخم وسعر الصرف… العاملان الأكثر تأثيرًا
يرى اقتصاديون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في قيمة الحد الأدنى للأجور المعلنة بالليرة، بل في سرعة تآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم وانخفاض سعر صرف العملة الوطنية.
فحتى مع رفع الأجور اسميًا، فإن ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية، بينما يقلل انخفاض قيمة الليرة من الوزن الحقيقي للأجر عند مقارنته بالدول الأخرى.
كما أن استمرار الاعتماد على الواردات في العديد من القطاعات يجعل أسعار السلع أكثر حساسية لتقلبات سعر الصرف، الأمر الذي يزيد الضغوط على دخول الأسر.

