تمر القضية الكردية في تركيا بمنعطف تاريخي وحرج يتجاوز مجرد الترتيبات الأمنية التقليدية، حيث برز ما يُعرف بـ”قانون الإطار” الذي طُرح في البرلمان التركي كوثيقة ترسم ملامح مستقبلية غامضة. هذا المسار، الذي يشارك في صياغته مثلث القوة المتمثل في زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان والرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس المخابرات إبراهيم قالين، يضع الدولة التركية أمام واقع جديد لا تدركه حتى كواليس الدولة العميقة بشكل كامل. وفي جوهر هذا التحول، يبرز تساؤل جوهري حول المستفيد الحقيقي من هذه التفاهمات، حيث تشير القراءات التحليلية إلى أن عبد الله أوجلان يخرج كمنتصر وحيد ومطلق، في حين يواجه المجتمع الكردي خسارة فادحة على صعيد الحقوق المدنية والسياسية.
إعادة تعليب القيادة: من التمرد إلى “المانديلا الكردي“
يتجلى الانتصار الشخصي لعبد الله أوجلان في تحوله الدراماتيكي من زعيم لمنظمة مصنفة إرهابية عالمياً، مسؤول عن عقود من الدماء والقرارات الاستراتيجية الخاطئة التي أودت بحياة الكثيرين حتى من داخل صفوف حزبه، إلى شخصية يتم تصويرها كـ “مانديلا كردي” جديد. هذا التحول لا يقتصر على الرمزية فحسب، بل يمتد إلى ممارسة النفوذ الفعلي من محبسه في “إمرالي”، حيث بات يحدد الاستراتيجيات ليس لتركيا فقط، بل للمنطقة بأسرها، محولاً نفسه وتنظيمه إلى “أداة” أو “جهاز” وظيفي للقوى الكبرى لضمان بقائه وفتح مساحات مناورة جديدة. ومن المتوقع، وفقاً للمعطيات الميدانية، أن يتم إطلاق سراحه فعلياً أو رمزياً في غضون عامين، وهو ما بدأ يتحقق من خلال تواصله المباشر مع أجنحة التنظيم في سوريا وإيران لتوجيه مساراتهم المستقبلية.
الجيوسياسية والوكالة: ترحيل الصراع نحو العمق الإيراني
لا يمكن فصل هذا الحراك الداخلي عن الاستراتيجية الأمريكية الطويلة الأمد في المنطقة، حيث تتقاطع المصالح التركية والأمريكية عند نقطة تحييد السلاح داخل تركيا مقابل توجيهه نحو جبهات أخرى. وتبرز هنا مقايضات كبرى، مثل إغلاق واشنطن لقضية “خلق بنك” (Halkbank) التي كانت تهدد الأمن القومي التركي، مقابل الانخراط في هذا المسار. الاستراتيجية الجديدة تقتضي تحويل وجهة مقاتلي حزب العمال الكردستاني من محاربة الدولة التركية إلى العمل كقوات وكالة ضد إيران، وتحديداً عبر جناح “بيجاك” (Pejak) الذي لم تطلب الدولة التركية حله، بل يتم حالياً إعادة تموضعه ليكون القوة الأكثر فاعلية في أي مواجهة محتملة مع طهران.
الواقع السوسيولوجي والتقني: نهاية حروب الجبال
يأتي هذا التوجه نحو “السلام المفروض” نتيجة حتمية لتغيرات هيكلية لم تعد تسمح باستمرار الصراع المسلح بشكله التقليدي؛ فمن الناحية التقنية، سحقت تكنولوجيا الطائرات المسيرة التركية قدرة “عصابات الجبال” على المناورة، مما جعل استمرار القتال انتحاراً عسكرياً. أما من الناحية السوسيولوجية، فقد حدث تحول جذري في بنية المجتمع الكردي؛ حيث انتقل من مجتمع ريفي (80% في القرى عند تأسيس التنظيم) إلى مجتمع مدني يعيش 80% منه في المدن، مع انتقال أكثر من نصف الأكراد إلى المحافظات الغربية في تركيا. هذا النزوح والتحضر جعل فكرة “حرب المدن” مستبعدة وصعبة للغاية، مما دفع أوجلان لاستغلال هذا السياق بذكاء لإعادة إحياء تنظيمه المتهالك عبر استراتيجية سياسية ومدنية جديدة تحافظ على قوته كلاعب سياسي.
مقايضة الحقوق بالولاء: أوجلان كـ “حارس” للمطالب الكردية
في الوقت الذي بدأت فيه الوعود بالسلام تلوح في الأفق، يظهر أن الثمن هو تجميد المطالب الحقوقية للأكراد؛ فبينما كان الوعي الاجتماعي التركي والكردي ينمو نحو قبول حقوق مثل التعليم باللغة الأم، تدخلت الدولة لتعطيل هذا المسار عبر إبراز أوجلان وتهميش الرموز السياسية المدنية مثل صلاح الدين دميرتاش. “قانون الإطار” يفتقر تماماً لأي ضمانات تتعلق بالحقوق الثقافية أو التعليمية أو الدعم الاقتصادي للمناطق الكردية، بل يسعى لربط الأكراد مباشرة بأوجلان، الذي بدوره يرتبط بتفاهمات مع الدولة. لقد تحول أوجلان إلى “بواب” يقف أمام أي مطالب كردية حقوقية حقيقية، حيث سبق وصرح بعدم رغبته في أي مطالب ثقافية، مما يجعل منه أداة لقمع أي حراك كردي جديد يطالب بحقوق مدنية خارج إطار “المقايضة السياسية”.
المناورة الداخلية: شراء الصمت وبناء “نظام سلطوي” متجدد
على الجبهة الداخلية التركية، تسعى السلطة لامتصاص أي رد فعل قومي غاضب عبر تقديم “رشاوي اجتماعية” لعائلات الشهداء والمحاربين القدامى من خلال قوانين تحسين الحقوق المالية والمزايا، لضمان صمتهم تجاه إطلاق سراح عناصر حزب العمال الكردستاني. هذا المسار لا يهدف إلى دمقرطة تركيا، بل هو عملية “تطبيع للأزمة” تتيح للنظام الحاكم وصم أي معارضة أخرى بالإرهاب بينما يتحالف مع “القيادة الكردية المختارة”. ومن المفارقات الصارخة في هذا المشهد، أن القيادات المسلحة التي لم تقض يوماً في السجون قد تعود للبلاد بحرية، في حين يظل القادة السياسيون المدنيون الذين اختاروا المسار البرلماني خلف القضبان.
سلام الضرورة لا سلام العدالة
إن ما يحدث ليس نهاية للصراع بقدر ما هو “إعادة ضبط” له؛ فالمنظمة التي كانت تقاتل في “حرب منتهية” سوسيولوجياً وعسكرياً، تشبه ذلك الجندي الياباني الذي استمر في القتال لعقود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لأنه لم يتلق أمراً من قائده بالتوقف. الآن، وبعد أن صدر “الأمر” من إمرالي، تدخل القضية الكردية مرحلة “الاحتواء”، حيث يُستخدم أوجلان لإجهاض أي بديل سياسي كردي ديمقراطي قد يطالب بحقوق مواطنة حقيقية بعيداً عن صراعات النفوذ الإقليمي. في المحصلة، يربح أوجلان حريته ومكانته، وتربح الدولة التركية الوقت والأدوات الوظيفية، بينما يظل الإنسان الكردي البسيط ينتظر حقوقاً مدنية تم بيعها في مزاد السياسة الكبرى.

