أعلنت السلطات التركية تنفيذ حملة أمنية واسعة استهدفت أشخاصًا تتهمهم بالانتماء أو الارتباط بـحركة كولن، وأسفرت عن توقيف 128 شخصًا خلال مداهمات نُفذت بشكل متزامن في 22 ولاية، وفق بيان صادر عن وزارة الداخلية التركية نقلته وسائل إعلام رسمية.
وبحسب البيان، قررت المحاكم المختصة إيداع 51 موقوفًا السجن على ذمة التحقيق، بينما أُفرج عن 14 شخصًا مع إخضاعهم لإجراءات الرقابة القضائية، في حين استمرت الإجراءات القانونية بحق بقية الموقوفين تمهيدًا لعرضهم على القضاء.
الاتهامات الموجهة للموقوفين
قالت وزارة الداخلية إن التحقيقات تتعلق بأشخاص تتهمهم السلطات بمواصلة أنشطة مرتبطة بالحركة، رغم سنوات من الحملات الأمنية والقضائية التي استهدفتها.
وأضافت أن الاتهامات شملت الحفاظ على التواصل مع أشخاص تصنفهم الدولة ضمن الحركة، والمساهمة في تمويل مؤسسات تقول إنها مرتبطة بها، إضافة إلى الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولم تكشف الوزارة عن هويات الموقوفين، كما لم تحدد الولايات التي شهدت المداهمات، ولم تعرض تفاصيل الأدلة التي استندت إليها الاتهامات.
خلفية الأزمة بين الحكومة وحركة كولن
تعود المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى ديسمبر/كانون الأول 2013، عندما طالت تحقيقات فساد وزراء ومسؤولين بارزين، ووصلت تداعياتها إلى مقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان وأفراد من دائرته السياسية والعائلية.
ورفض أردوغان تلك التحقيقات، معتبرًا أنها تمثل محاولة منظمة للإطاحة بحكومته، واتهم الحركة بالوقوف وراءها.
وفي مايو/أيار 2016 صنفت السلطات التركية الحركة “منظمة إرهابية”، قبل أن تتوسع إجراءات الملاحقة بصورة غير مسبوقة عقب محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في يوليو/تموز من العام نفسه، والتي حملت الحكومة مسؤوليتها للراحل فتح الله كولن.
من جانبها، تنفي حركة كولن باستمرار أي دور لها في محاولة الانقلاب، كما ترفض تصنيفها منظمة إرهابية، وتؤكد أنها حركة مدنية ذات طابع ديني وتعليمي.
أرقام رسمية تكشف اتساع نطاق الملاحقات
تعكس أحدث البيانات الصادرة عن وزارة العدل التركية حجم الحملة المستمرة ضد المتهمين بالارتباط بالحركة منذ عام 2016.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى صدور أحكام بالإدانة بحق أكثر من 127 ألف شخص بتهم تتعلق بالانتماء أو الارتباط بالحركة.
كما تؤكد البيانات أن السلطات فتحت إجراءات قضائية بحق 720,338 شخصًا منذ عام 2016، في واحدة من أوسع حملات الملاحقة القضائية في تاريخ الجمهورية التركية الحديث.
ووفق الأرقام نفسها، لا يزال 10,485 شخصًا يقبعون في السجون على خلفية هذه القضايا، بينما تستمر التحقيقات أو المحاكمات بحق 83,404 أشخاص آخرين.
استمرار الملاحقات رغم مرور عقد على بداية الأزمة
تأتي هذه الحملة الجديدة لتؤكد استمرار السياسة الأمنية التي تنتهجها الحكومة التركية تجاه حركة كولن، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على بداية الخلاف السياسي، ونحو عقد على محاولة الانقلاب الفاشلة.
وخلال السنوات الماضية، تكررت عمليات التوقيف بصورة دورية، وشملت موظفين حكوميين، وعسكريين، وأكاديميين، ورجال أعمال، ومعلمين، إضافة إلى أفراد من قطاعات مختلفة، في إطار تحقيقات تقول السلطات إنها تستهدف ما تصفه بـ”البنية التنظيمية” للحركة داخل البلاد.
تداعيات إنسانية وقانونية مستمرة
إلى جانب آلاف الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن، اضطر عدد كبير من المنتمين أو المشتبه بارتباطهم بالحركة إلى مغادرة تركيا خلال السنوات الأخيرة، خشية التعرض للاعتقال أو الملاحقة القضائية.
وتشير تقارير حقوقية دولية إلى أن هذه الإجراءات أثارت نقاشًا واسعًا بشأن استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، وحدود استخدام قوانين مكافحة الإرهاب، بينما تؤكد الحكومة التركية أن جميع التدابير المتخذة تستند إلى القانون وتهدف إلى حماية الأمن القومي ومواجهة التنظيمات التي تعتبرها تهديدًا للدولة.

