في قراءة تحليلية معمقة للمشهد السياسي الراهن، يطرح الكاتب والمحلل التركي الشهير محمد ألطان رؤية نقدية حادة تتجاوز السطح لتغوص في جذور الأزمة التي تعصف بالعمل الحزبي في تركيا، معتبراً أن ما يشهده الشارع السياسي ليس تجديداً حقيقياً، بل هو استمرار لحالة من “التآكل” البنيوي التي تمنع النهوض بالدولة والمجتمع.
ماهية التجديد بين المفهوم الفلسفي والواقع السياسي
في حوار مع الصحفية آلين أوزينيان على يوتيوب، يستهل محمد ألطان تحليله بتفكيك مفهوم “الجديد”، موضحاً أن التجديد في تاريخ البشرية يرتبط بنيوياً بتغير مصادر الطاقة والتحولات التكنولوجية الكبرى، مثلما حدث في الثورة الصناعية التي استبدلت القوة العضلية بالآلة. ويرى ألطان أن الشيء لا يكون “جديداً” لمجرد صدوره مؤخراً، بل تكتسب الجدة معناها من خلال القطيعة المعرفية والجذرية مع الوضع الراهن (الستاتيكو)، وتقديم أطروحات لم تكن ممكنة أو مقبولة من قبل. وفي السياق التركي، يؤكد ألطان أن السياسة الحقيقية هي التي تهدف باستمرار إلى زيادة رفاهية وحرية المواطن، وهو ما يراه غائباً تماماً عن المشهد الحالي الذي يعاني من “عفن” سياسي وانحدار في المستوى الأخلاقي والفكري.
فجوة الأرقام: معايير الفشل في الرفاه والعدالة
يستند ألطان، ذي التوجه الليبرالي، في تقييمه إلى أرقام ملموسة تعكس الهوة بين تركيا والمعايير الدولية؛ حيث يشير إلى أن دخل الفرد السنوي في تركيا يقارب تسعة عشر ألف دولار، بينما يتضاعف هذا الرقم في دول الاتحاد الأوروبي ليصل إلى أربعة وأربعين ألف دولار. ولا يتوقف الأمر عند الاقتصاد، بل يمتد إلى غياب دولة القانون، حيث تحتل تركيا المرتبة مئة وثمانية عشر في مؤشر سيادة القانون، وهو ما يصفه ألطان بـ”الفشل العضوي المتعدد” الذي يجعل من مؤسسات الدولة أجهزة غير قادرة على أداء وظائفها الحيوية، تماماً كأعضاء الجسد المريض التي تتوقف عن العمل.
احتراف السياسة كمهنة للاسترزاق والامتيازات
ينتقد محمد ألطان بشدة تحول السياسة في تركيا من حق للمواطنة وخدمة عامة إلى “مهنة” تهدف لتأمين دخل مستمر ومستوى معيشي مرتفع للسياسيين على حساب الشعب. ويضرب مثالاً صارخاً على ذلك بالفجوة الطبقية بين السياسي والمواطن؛ حيث يتقاضى المتقاعد الذي يعيش تحت خط الفقر نحو ثلاثة وعشرين ألف ليرة، بينما يقفز دخل عضو البرلمان بمجرد انتخابه إلى أكثر من مئتي ألف ليرة، وقد يصل مع الامتيازات إلى خمسمئة ألف ليرة. ويرى ألطان أن هؤلاء السياسيين، الذين لا يمتلكون نجاحات مهنية حقيقية في “الحياة العارية” خارج العمل الحزبي، يتشبثون بمقاعدهم لتأمين امتيازات مثل السيارات الرسمية والحصانة والمعاملة التفضيلية، مما يحول البرلمان إلى ما يشبه “بطالة مقنعة” ذات دخل مرتفع.
معضلة “الوجوه القديمة” في الأحزاب الجديدة
في تعليقه على محاولات التجديد الحزبي، الذي تمثل مؤخرا في إطلاق أوزغور أوزيل “الحزب الجديد”، يرى محمد ألطان أن طرح أسماء شغلت مقاعد البرلمان لست دورات متتالية كوجوه “جديدة” هو نوع من التضليل السياسي. ويقترح ألطان اختباراً حقيقياً للجدية يتمثل في فرض سقف للدورات البرلمانية (دورتين فقط)، مؤكداً أن أي حزب يدعي التجديد ولا يلتزم بهذا القيد يظل حزباً “قديماً” في جوهره، لأن هدفه يظل محصوراً في إعادة إنتاج النخبة نفسها. ويضيف أن المنظومة السياسية الحالية، التي صاغها الانقلاب العسكري عام ١٩٨٠عبر قانون الأحزاب السياسية، لا تزال هي المحرك للجميع، حيث يتم تعيين المرشحين من المركز وتغيب الديمقراطية الداخلية والانتخابات التمهيدية النزيهة.
السياق العالمي وتحديات القرن الحادي والعشرين
يربط محمد ألطان الأزمة المحلية بتحولات عالمية، موضحاً أن العالم يمر بمرحلة من عدم توازن توزيع المكاسب والأعباء الناتجة عن التطور التكنولوجي، مما أدى لبروز الفاشية والشعوذة السياسية. وفي حين يتحول العالم نحو الطاقة المتجددة (التي تشكل ٤٦ بالمئة من طاقة الاتحاد الأوروبي)، تظل السياسة التركية غارقة في صراعات السلطة والمصالح الضيقة. ويؤكد ألطان أن الحل لا يكمن في تغيير الوجوه فحسب، بل في تغيير “طقم الأفكار“ والالتزام بالمعايير العالمية للنزاهة، حيث تحتل تركيا المرتبة ١٢٤ في مؤشر مدركات الفساد.
استنتاج وتحليل: الطريق نحو الخلاص
يخلص محمد ألطان إلى أن الأمل في التغيير لن يأتي من الطبقة السياسية التي ترفض تجديد نفسها، بل من خلال ضغط مجتمعي ومؤسسات مجتمع مدني قوية تراقب وتحاسب. ويرى أن التجديد الحقيقي يتطلب شجاعة في تطبيق القانون، والالتزام بقرارات المحكمة الدستورية، ووقف استغلال السياسة كأداة للثراء السريع. وحتى يتحقق ذلك، يفضل ألطان الابتعاد عن صخب السياسة “المعفنة” والتركيز على القيم الإنسانية والأدب، معتبراً أن الانشغال بالواقع السياسي الحالي دون رؤية إصلاحية هو مضيعة للوقت واستنزاف للأمل.

