أقرّ البرلمان التركي مادة تشريعية جديدة ضمن تعديلات قانونية تنقل جانباً مهماً من الصلاحيات التي كانت تمارسها هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (BTK) إلى رئاسة الأمن السيبراني التابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية، في خطوة يعتبرها مؤيدوها جزءاً من إعادة هيكلة منظومة الأمن السيبراني، بينما ينظر إليها منتقدون باعتبارها توسعاً كبيراً في صلاحيات السلطة التنفيذية على الفضاء الرقمي.
وجاء إقرار المادة الثالثة والعشرين من مشروع القانون خلال جلسات الجمعية العامة للبرلمان، لتصبح جزءاً نافذاً من التشريع الجديد، وسط انتقادات تشير إلى أن النقاش السياسي والإعلامي حولها ظل محدوداً مقارنة بحجم الصلاحيات التي تمنحها للدولة في إدارة البنية التحتية الرقمية والاتصالات الإلكترونية.
انتقال صلاحيات استراتيجية من هيئة الاتصالات إلى رئاسة الأمن السيبراني
يقضي القانون الجديد بإسناد مجموعة من الصلاحيات الحساسة المتعلقة بإدارة المخاطر السيبرانية والتدخل في البنية التحتية للإنترنت إلى رئاسة الأمن السيبراني، وهي مؤسسة استحدثت ضمن الهيكل الرئاسي وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مؤسسياً يتجاوز مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، إذ تنقل أدوات كانت موزعة بين هيئات تنظيمية وتقنية إلى جهة تنفيذية واحدة تتمتع بارتباط مباشر بمركز القرار السياسي.
صلاحيات واسعة لاتخاذ تدابير فورية دون انتظار القضاء
أكثر المواد إثارة للنقاش تتمثل في منح رئاسة الأمن السيبراني صلاحية اتخاذ ما وصفه القانون بـ”التدابير الوقائية” بناءً على طلب أجهزة الأمن والاستخبارات، أو بمبادرة منها، دون اشتراط الحصول مسبقاً على قرار قضائي.
ويُلزم القانون جميع الجهات المشغلة للبنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مزودو خدمات الإنترنت، ومراكز البيانات، ومشغلو شبكات الاتصالات، بتنفيذ هذه التدابير خلال مدة لا تتجاوز ساعتين من صدور التعليمات.
ويشير مختصون في القانون الرقمي إلى أن النص لم يقدم تعريفاً دقيقاً لطبيعة هذه التدابير أو الحدود القانونية التي تضبط استخدامها، الأمر الذي يفتح المجال أمام تفسيرات واسعة قد تمنح الإدارة صلاحيات استثنائية في التعامل مع ما تعتبره تهديدات سيبرانية.
من حجب المواقع إلى التحكم بالبنية التحتية للإنترنت
لا يقتصر نطاق القانون الجديد على الأساليب التقليدية الخاصة بحجب المواقع الإلكترونية، بل يمتد إلى مستويات أعمق تتعلق بالبنية التقنية التي يقوم عليها الإنترنت داخل تركيا.
ومن أبرز الصلاحيات التي أصبحت متاحة لرئاسة الأمن السيبراني:
- تعطيل أو حظر بروتوكولات اتصال محددة، بما يشمل شبكات الاتصال المشفرة وتقنيات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) إذا اعتُبرت مصدراً لخطر سيبراني.
- مراقبة حركة البيانات الرقمية وإجراء عمليات تصفية مباشرة لها، مع إمكانية تقليص سرعة بعض الخدمات أو تعطيلها جزئياً من خلال تقنيات خفض النطاق الترددي.
- التدخل في أنظمة أسماء النطاقات (DNS) والبنية المرتبطة بعناوين المواقع الإلكترونية، بما يسمح بجعل مواقع كاملة غير قابلة للوصول.
- وقف خدمات الاستضافة الرقمية من خلال التدخل المباشر في مراكز البيانات وتعليق عمل الخوادم أو الخدمات الإلكترونية عند الضرورة وفقاً لتقدير الجهة المختصة.
ويؤكد خبراء تقنيون أن هذه الصلاحيات تمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة المخاطر السيبرانية، لكنها في الوقت نفسه توسع بشكل ملحوظ نطاق التدخل في البنية الأساسية للاتصالات الرقمية.
مخاوف قانونية بشأن غموض المفاهيم المستخدمة
أثارت الصياغة القانونية للتعديلات تساؤلات واسعة لدى قانونيين ومنظمات معنية بالحقوق الرقمية، خاصة أن القانون يستخدم تعبيرات عامة مثل “الأمن القومي” و”التهديد السيبراني” و”التدابير الوقائية” دون وضع تعريفات دقيقة أو معايير موضوعية تحدد الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى هذه الصلاحيات.
ويرى منتقدو القانون أن غياب الضوابط التفصيلية قد يؤدي إلى توسيع نطاق استخدام الإجراءات الاستثنائية، بما قد ينعكس على حرية التعبير، والإعلام الرقمي، والاستثمارات التكنولوجية، فضلاً عن تقليص مستوى اليقين القانوني بالنسبة للشركات العاملة في قطاع الاتصالات والتقنيات الرقمية.
هيكل رقابي جديد يجمع التنفيذ والإشراف
من أبرز النقاط التي أثارت الجدل أيضاً طبيعة الهيكل المؤسسي الذي ينشئه القانون.
فبحسب القراءة التي يقدمها عدد من الخبراء، فإن رئاسة الأمن السيبراني لن تقتصر مهامها على إصدار التعليمات الفنية، بل ستتولى كذلك تنسيق عمليات المراقبة والتنفيذ المتعلقة بالبنية الرقمية، مع امتلاك صلاحيات إشرافية على تنفيذ الإجراءات من قبل مختلف المؤسسات المعنية.
كما يشير منتقدون إلى أن نقل هذه الصلاحيات من هيئة تنظيمية مستقلة نسبياً إلى مؤسسة تتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية يعكس توجهاً نحو مركزية أكبر في إدارة الملفات الرقمية والأمنية.
وتذهب بعض القراءات إلى أن أجهزة مثل جهاز الاستخبارات والشرطة والدرك ستصبح بحاجة إلى التنسيق الفني مع رئاسة الأمن السيبراني لتنفيذ بعض إجراءات المراقبة أو التدخل التقني، وهو ما يمنح الرئاسة الجديدة موقعاً محورياً داخل منظومة الأمن الرقمي للدولة.
انتقادات تتعلق بآليات الرقابة والمساءلة
تثير التعديلات كذلك تساؤلات حول طبيعة الرقابة المؤسسية على عمل رئاسة الأمن السيبراني، إذ يرى معارضون أن الجهة التي تمتلك صلاحيات إصدار التعليمات والإشراف على تنفيذها قد تصبح أيضاً الجهة التي تتلقى الشكاوى المتعلقة بانتهاكات البيانات أو الإجراءات التقنية، وهو ما يثير نقاشاً حول مبدأ الفصل بين جهة التنفيذ وجهة الرقابة.
ويعتبر منتقدو القانون أن تركيز هذه الصلاحيات في مؤسسة واحدة قد يضعف من آليات الرقابة المستقلة، بينما تؤكد الجهات المؤيدة أن توحيد الصلاحيات يهدف إلى رفع كفاءة الاستجابة للهجمات السيبرانية وتسريع اتخاذ القرار في ظل التهديدات الرقمية المتزايدة.
السياق السياسي للتشريع
يأتي هذا القانون في مرحلة تشهد فيها تركيا توسعاً متواصلاً في إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والرقمية، بالتوازي مع تزايد الاعتماد على أدوات الأمن السيبراني في إدارة المخاطر المرتبطة بالفضاء الإلكتروني.
وتؤكد الحكومة أن الهدف الأساسي يتمثل في تعزيز قدرة الدولة على حماية البنية التحتية الحيوية والتصدي للهجمات السيبرانية التي أصبحت أكثر تعقيداً، بينما ترى أطراف معارضة أن التشريع يعكس اتجاهاً نحو تركيز مزيد من الصلاحيات التنفيذية داخل مؤسسة الرئاسة، بما قد يؤثر على التوازن المؤسسي بين السلطات.
كما يتقاطع القانون مع نقاشات أوسع داخل تركيا بشأن مستقبل الحريات الرقمية، وحماية البيانات الشخصية، واستقلالية الهيئات التنظيمية، وحدود تدخل الدولة في إدارة الإنترنت، وهي ملفات مرشحة للاستمرار في صدارة الجدل السياسي والقانوني خلال المرحلة المقبلة.

