تشهد خارطة الصناعات الدفاعية العالمية تحولاً نوعياً مع انطلاق العمليات التشغيلية لشركة “إل بي إيه سيستمز” (LBA Systems)، وهي ثمرة تحالف استراتيجي مناصفة بين عملاق المسيّرات التركي “بايكار” ومجموعة الدفاع الإيطالية الرائدة “ليوناردو”.
ويمثل هذا المشروع، الذي يتخذ من الأراضي الإيطالية مقراً قانونياً وعملياتياً له، جسراً تكنولوجياً يربط بين الخبرة القتالية التركية في الأنظمة غير المأهولة والريحة الصناعية الأوروبية، حيث تم الانتهاء من كافة الموافقات التنظيمية وتعيين الهياكل القيادية لبدء مرحلة الإنتاج الفعلي.
التشكيل الصناعي ومواقع الإنتاج
في إطار هذه الشراكة، أعادت “ليوناردو” هيكلة قطاعاتها الداخلية عبر استحداث “وحدة أعمال الأنظمة غير المأهولة“ ضمن قسم الطيران التابع لها، لتنسيق الجهود الصناعية والتجارية مع الشريك التركي. وتتوزع المهام التصنيعية بناءً على التخصص التكنولوجي؛ حيث يجري بناء الدفعة الأولى من مسيّرات “أستور ليفانتي” (Astore Levante) وطائرة “بايركتار قزل إلما“ القتالية في منشآت “ليوناردو”، بينما تستضيف مصانع “بايكار” في إيطاليا خطوط إنتاج منصات “بايركتار TB2″ و”أقينجي”. ويأتي توسع “بايكار” في الداخل الإيطالي مدعوماً بصفقة استحواذها السابقة على شركة “بياجيو أيروسبيس“، مما يعزز قدرتها التصنيعية داخل القارة الأوروبية.
المحفظة التقنية والتكامل المعلوماتي
تستهدف “إل بي إيه سيستمز” سوقاً أوروبية واعدة تُقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار على مدى العقد المقبل. وتضم محفظة الشركة الأولية ستة نماذج متطورة تشمل طائرة “كالكان“، ونسختين من طراز “TB2”، وطائرة “أستور ليفانتي“، التي تدمج ببراعة بين منصة “TB3” التركية القادرة على العمل من على متن حاملات الطائرات، وأنظمة الاستشعار ومحطات التحكم الأرضية من تطوير “ليوناردو”، وطائرتي “أقينجي“ و”قزل إلما” السياديتين.
ويتجاوز التعاون مجرد تجميع المنصات إلى تطوير أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والمرونة السيبرانية، والقدرة على العمل البيني في مختلف الميادين العسكرية. وقد تجلى هذا التفوق التقني في اختبارات العمل الجماعي بين الطائرة المأهولة والمسيرة (MUM-T)، حيث أظهرت “قزل إلما” تناغماً عالياً مع طائرة التدريب والمقاتلة الخفيفة “M-346F” من إنتاج ليوناردو، مما يؤكد وصول الأنظمة المستقلة التركية إلى معايير حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
الضوابط السيادية و”القوة الذهبية“
لم تكن هذه الشراكة لتتم دون تدقيق سيادي صارم؛ فقد منحت الحكومة الإيطالية موافقتها المشروطة في يونيو الماضي بموجب قواعد “القوة الذهبية“ التي تحمي الصناعات الاستراتيجية. وبموجب هذه القيود، تلتزم الشركة ببيع منتجاتها وتطوير تقنياتها حصراً مع الدول المتحالفة سياسياً مع أوروبا والناتو، مع تصنيف كافة التقنيات المستخدمة كمعلومات سرية ومحمية. وتأتي هذه الخطوة لضمان عدم تسرب التكنولوجيا الحساسة إلى أطراف خارج المظلة الأمنية الأوروبية.
التحديات الأخلاقية والسياق الجيوسياسي
على الرغم من النجاح الصناعي، واجه التحالف انتقادات حادة بسبب الروابط الدفاعية الوثيقة لشركة “ليوناردو” مع إسرائيل، وهو ملف يتسم بالحساسية نظراً لموقف الحكومة التركية المعلن ضد العمليات العسكرية في غزة. وتواجه “ليوناردو” دعاوى قضائية في الداخل الإيطالي رفعتها منظمات مجتمع مدني ومواطن فلسطيني، تتهم الشركة بالاستمرار في توريد قطع الغيار والخدمات للجيش الإسرائيلي، بما في ذلك المدافع البحرية وطائرات التدريب، رغم نفي الشركة إصدار أي تراخيص تصدير جديدة منذ أكتوبر 2023.
من جانبها، دافعت شركة “بايكار” عن الشراكة، مؤكدة أن الدولة الإيطالية (التي تمتلك 30.2% من ليوناردو) أوقفت الصفقات الدفاعية الجديدة مع إسرائيل. وشددت “بايكار” على التزام المشروع المشترك بـ “الموقف الأخلاقي والمسؤولية الضميرية“، مشيرة إلى جهودها في تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة.
التوفيق بين الخطاب والواقع الاقتصادي
يأتي هذا المشروع في وقت تتعرض فيه أنقرة لتدقيق دولي، حيث أشار تقرير للأمم المتحدة في أكتوبر 2025 إلى استمرار تدفق سلاسل التوريد والسلع ذات الاستخدام المزدوج عبر الموانئ التركية، بالإضافة إلى استمرار تدفق النفط عبر خط أنابيب “باكو-تبليسي-جيهان“ إلى إسرائيل. وتعكس شراكة “بايكار” (التي يرأس مجلس إدارتها سلجوق بايركتار، صهر الرئيس أردوغان) مع “ليوناردو” تعقيد المشهد؛ حيث تسعى تركيا لتعميق نفوذها الصناعي في قلب أوروبا والحصول على موطئ قدم في سوق الدفاع الغربي، مع محاولة الموازنة بين طموحاتها الاقتصادية الكبرى ومواقفها السياسية المعلنة تجاه القضايا الإقليمية.

