تُجسد القضية الأخيرة التي فصلت فيها المحكمة الدستورية العليا في تركيا صراعاً متجدداً بين حدود حرية التعبير وسلطة القوانين الاستثنائية، حيث أصدرت المحكمة حكماً باتاً يقضي بانتهاك الحقوق الدستورية للصحفي “كاظم غوليتشيوز”، رئيس تحرير صحيفة “يني آسيا” السابق، على خلفية توقيفه بسبب نشاطه على منصات التواصل الاجتماعي.
ملابسات الاحتجاز والملاحقة القضائية
بدأت فصول الأزمة في الرابع والعشرين من أكتوبر لعام ٢٠٢٤، حينما ألقت السلطات التركية القبض على غوليتشيوز عقب نشره تدوينة تعزية في وفاة “فتح الله كولن”، الذي وافته المنية في أحد مستشفيات الولايات المتحدة قبل ذلك بأربعة أيام. هذا الإجراء أدى إلى زج الصحفي في السجن لمدة بلغت سبعة وخمسين يوماً رهن الاحتجاز الاحتياطي، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقاً مع استمرار محاكمته. وفي تطور قضائي لاحق في مارس ٢٠٢٥، قضت محكمة أدنى بحقه بالسجن لمدة خمسة عشر شهراً مع وقف التنفيذ، بعد إدانته بتهمة “نشر دعاية إرهابية”.
الإنصاف الدستوري وتفنيد تهمة التحريض
جاء قرار المحكمة الدستورية العليا بالإجماع ليعيد الأمور إلى نصابها الحقوقي، حيث قرر القضاة أن احتجاز غوليتشيوز قبل المحاكمة قد انتهك بشكل صارخ حقه في الحرية والأمن الشخصي، بالإضافة إلى حقه الأصيل في حرية التعبير. وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن نص التعزية المنشور لم يتضمن أي عبارات تشيد بالعنف أو تشجع عليه، معتبرةً أن الادعاء العام والمحكمة الأدنى لم يقدما مسوغات قانونية كافية تبرر سلب حرية الصحفي احتياطياً. وبناءً على هذا الانتهاك، أقرت المحكمة تعويضاً مالياً لصالح غوليتشيوز بقيمة ثلاثمائة وخمسة وعشرين ألف ليرة تركية (ما يعادل قرابة ٦٩٠٠ دولار أمريكي) كجبر للضرر المعنوي، معلنةً عدم الحاجة لإعادة المحاكمة.
الجذور السياسية والسياق التاريخي للأزمة
لا يمكن قراءة هذه القضية بمعزل عن الاستهداف التاريخي لحركة كولن من قبل الحكومة، والذي تصاعدت حدته منذ تحقيقات الفساد في ديسمبر ٢٠١٣ التي طالت الدائرة المقربة من الرئيس رجب طيب أردوغان. فبينما اعتبرت الحكومة تلك التحقيقات مؤامرة “كولنية”، تطور الموقف إلى تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية في مايو ٢٠١٦، ثم بلغت الملاحقات ذروتها عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو ٢٠١٦، والتي اتهمت أنقرة كولن بتدبيرها، وهو ما نفته الحركة مراراً. هذا المناخ السياسي المشحون جعل من مجرد تقديم “واجب التعزية” في شخصية معارضة للدولة سبباً كافياً للملاحقة بتهم الإرهاب، وفقاً للمنظور القضائي الذي انتقدته المحكمة الدستورية لاحقاً.
تحليل نقدي: غياب المساءلة المؤسسية
أثار الحكم ردود فعل سياسية وحقوقية واسعة، حيث أشار البرلماني السابق “مصطفى ينير أوغلو” إلى أن النتيجة التي توصلت إليها المحكمة الدستورية كانت تمثل الحقائق القانونية البديهية التي كان ينبغي على الادعاء العام والقضاء الابتدائي إدراكها منذ اللحظة الأولى لبدء التحقيق. وتكمن الإشكالية الأعمق، بحسب التحليلات المستقاة من الواقعة، في انعدام نظام المساءلة للمسؤولين القضائيين الذين يتخذون قرارات غير قانونية تسلب الأفراد حرياتهم، مما يشير إلى ثغرة في هيكلية العدالة تسمح بتكرار مثل هذه الانتهاكات دون خوف من تبعات مهنية أو قانونية على صانعي تلك القرارات.
خلاصة المشهد الحقوقي
يمثل هذا الحكم بارقة أمل في استعادة استقلالية القضاء الدستوري، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على الهوة بين نصوص الدستور والممارسات الميدانية للمحاكم الجنائية. إن تعويض الصحفي مادياً، رغم أهميته، لا يمحو أثر الاحتجاز التعسفي، مما يستوجب إعادة النظر في معايير “الدعاية الإرهابية” لضمان عدم استخدامها كأداة لتكميم الأفواه الصحفية تحت غطاء القانون.

