في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، وفي أجواء شهدت انعقاد “منتدى بناة السلام والجوائز الدولية للحرية الدينية لعام ٢٠٢٦”، برز اسم الناشط التركي الأمريكي محمد ساراج أوغلو كأحد الوجوه التي جسدت نضال العقد الأخير من أجل العدالة والكرامة الإنسانية.
نال ساراج أوغلو، الذي يشغل منصب مدير العلاقات الحكومية في المجلس الوطني للمناصرة المدنية (NCCA)، جائزة “America 250 IRF Advocate Award” تقديراً لجهوده الدؤوبة في تعزيز الحريات الدينية وحقوق الإنسان.
ولم يكن هذا التكريم بالنسبة له مجرد إنجاز شخصي، بل استغله كمنصة دولية لإعادة تسليط الضوء على مأساة آلاف الضحايا الذين طالهم القمع المنهجي في تركيا الذي بدأ قبل محاولة الانقلاب الفاشلة وتفاقم فيما بعدها.
رمزية الإهداء: الوفاء لضحايا عشرية القمع
جاء تسلم ساراج أوغلو للجائزة متزامناً مع الذكرى العاشرة لأحداث ١٥ يوليو ٢٠١٦، وهي المفارقة الزمنية التي منحت كلمته ثقلاً استثنائياً؛ حيث أهدى تكريمه إلى تلك الجموع التي غُيبت خلف القضبان، أو أُجبرت على المنافي، أو فُصلت عن ذويها قسراً خلال حملات التطهير الواسعة التي أعقبت تلك الأحداث.
واعتبر مراقبون أن هذا الموقف يعكس رؤية عميقة تتجاوز الاحتفاء بالذات لتجعل من الجائزة اعترافاً جماعياً بجهود المدافعين عن الحقوق والقادة الروحيين الذين صمدوا في وجه التنكيل الذي أجري بدعوى مكافحة الانقلابيين.
ورأى محللون أن هذا التكريم يمثل رسالة سياسية وحقوقية تؤكد أن الملف التركي لا يزال حياً في الوجدان الدولي، رغم مرور عقد من الزمان على بدء تلك الإجراءات الاستثنائية.
واقع الحريات في تركيا: أرقام وتداعيات إنسانية
تتجلى حدة الأزمة الحقوقية في الأرقام التي أعلن عنها وزير العدل التركي “أكين غورليك”، والتي تشير إلى أن السلطات أجرت تحقيقات طالت أكثر من ٧٢٠ ألف شخص بتهم تتعلق بالإرهاب على خلفية صلات مزعومة بحركة “الخدمة” المستلهمة من فكر فتح الله كولن الراحل. وبينما أدين نحو ١٢٧ ألفاً، لا تزال إجراءات التقاضي والتحقيق مستمرة لعشرات الآلاف.
هذا المشهد لم يقتصر على الملاحقات القضائية فحسب، بل امتد ليشمل تجريفاً مؤسسياً واسعاً تمثل في فصل ١٢٠ ألف موظف مدني و٢٤ ألفاً من أفراد القوات المسلحة بموجب مراسيم الطوارئ، فضلاً عن إغلاق مئات المؤسسات التعليمية والإعلامية والجمعيات الخيرية.
هذه الإجراءات، التي وصفتها المنظمات الدولية بأنها استخدام مفرط لقوانين مكافحة الإرهاب لتجريم الأنشطة المدنية والاجتماعية الطبيعية، خلقت مناخاً من الخوف وعدم اليقين في تركيا.
قضية “محاكمة الفتيات” ونضال الضمير العالمي
ركز ساراج أوغلو في نشاطه الحقوقي على قضايا محددة كشفت عن تسييس القضاء، لعل أبرزها ما عُرف بـ”محاكمة الفتيات” التي انطلقت من عمليات أمنية في إسطنبول عام ٢٠٢٤. استهدفت تلك المحاكمة مراهقات وطالبات جامعيات وأمهات، واستندت لائحة الاتهام إلى أنشطة يومية مثل حضور حلقات دراسية دينية، أو اللقاء في مراكز التسوق، أو حتى طلب الطعام والذهاب إلى السينما، معتبرة إياها دليلاً على الانتماء لشبكة إرهابية.
وقد أثمر الضغط الدولي الذي قاده ساراج أوغلو عبر “طاولة IRF المستديرة” عن حملة توقيعات ضخمة ومراسلات مع الكونغرس الأمريكي، مما أسهم في إطلاق سراح المحتجزات قبل صدور الأحكام النهائية في سبتمبر ٢٠٢٥، والتي انتهت بإدانة البعض وتبرئة آخرين.
أيقونة الصمود: قضية المفكر علي أونال
في سياق متصل، برزت قضية العالم الإسلامي “علي أونال”، كأحد أعقد الملفات التي يتبناها ساراج أوغلو. أونال، الذي يقبع في السجن منذ ٢٠١٦ ويقضي عقوبة مدتها ١٩ عاماً ونصف العام، أصبح رمزاً للاعتقال التعسفي بعد أن أكد فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي في عام ٢٠٢٣ عدم قانونية سجنه وطالب بإطلاق سراحه فوراً.
ويؤكد ساراج أوغلو أن الجهود المستمرة عبر مجموعات العمل البرلمانية والتحالفات الدولية تهدف لضمان ألا تُنسى هذه القضايا خلف جدران الصمت، معبراً عن أمله في أن يشهد العام المقبل احتفاءً بحرية أونال وغيره من سجناء الرأي.
يذكر أن علي أونال كاتب ومفكر من الطراز النادر.. إذ يتميز بباعه الطويل في العلوم الإسلامية والقضايا المعاصرة للفكر الإسلامي على اختلاف مذاهبه؛ إلى جانب خبرته في الشؤون السياسية التركية والإيرانية والعربية، بفضل اطلاعه الواسع على العصر المعاش والفكر والتاريخ العالمي.
وقد ألف أونال عشرات من الكتب في هذه المجالات، أهمها “تفسير مختصر لمعاني القرآن الكريم باللغة التركية والإنجليزية”، و”مكة: درب الأنبياء” الذي يقدم فيه المبادئ العامة لفقه سير الأنبياء عليهم السلام، و”المفاهيم الأساسية في القرآن الكريم”، بالإضافة إلى”المخرج الأخير قبل انهيار الجسر” الذي يتناول فيه أهم الأحداث التي شهدتها تركيا تحت حكم أردوغان خلال 15 عامًا وأسباب إعلانه حربًا على فتح الله كولن وحركة الخدمة.
وكان لعلي أونال عامود خاص في صحيفة “زمان” التي كانت أكثر الصحف مبيعًا في البلاد يحلل فيه من المنظور الإسلامي الأوضاع والأحداث في تركيا والمنطقة والعالم. وحينما فرضت حكومة أردوغان وصاية قضائية على صحيفة زمان وصادرتها في 4 مارس 2016، وأغلقها في 27 من يوليو/تموز 2016 عقب الانقلاب الفاشل، كان أونال من بين الكتاب المعتقلين بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة.
ثلاثة أعوام من الاعتقال دون محاكمة
لقد ألقت السلطات القبض عليه في أغسطس 2016 من دون توجيه أي اتهام ملموس، وعقدت الجلسة الأولى من محاكمته في 4 يناير 2018.
ظل وراء القضبان ثلاث سنوات في سجن شديد الحراسة في مدينة إزمير، ثم قضت المحكمة عليه بالسجن 19 عامًا و6 شهور، بعد إجراء محاكمة وصفت بالصورية، بتهمة التورط في محاولة والصلة بحركة الخدمة، بل “قيادة منظمة إرهابية!”
المسار المهني لساراج أوغلو
محمد ساراج أوغلو ليس مجرد ناشط، بل هو أكاديمي وخبير يتمتع بخلفية تعليمية رصينة من جامعة إسطنبول التقنية وجامعة كنتاكي، وقد تدرج في مناصب قيادية عديدة في “منتدى رومي” ومركز “الإيمان والهوية والعولمة”. يرى ساراج أوغلو أن التقدم في ملف الحريات الدينية قد يكون بطيئاً، لكن كل رسالة تضامن وكل اجتماع سياسي يعيد الأمل للمضطهدين بأنهم ليسوا وحدهم في معركتهم. إن وجود شخصيات مثل القس الصيني “إزرا جين مينغري” في المنتدى بعد سنوات من سجنه يعد دليلاً ملموساً على أن النضال الحقوقي العابر للحدود يمكن أن يؤدي إلى نتائج حقيقية وتغيير ملموس على أرض الواقع.

