مع حلول الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في يوليو 2016، برزت إلى الواجهة من جديد دعوات دولية ملحة تطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف في تلك الأحداث.
وقد جاءت هذه المطالبات عبر “تحالف القيم المشتركة” (AfSV)، وهو مظلة لمنظمات مستلهمة من فكر الراحل فتح الله كولن، حيث شدد التحالف على أن الرواية الرسمية التي تتبناها أنقرة ظلت بمنأى عن أي اختبار حقيقي أو مراجعة قضائية محايدة، مما جعلها أداة لاستدامة سياسة “العقاب الجماعي” ضد قطاعات واسعة من المجتمع التركي.
عقد من الملاحقات: لغة الأرقام وتوسع دائرة الاتهام
لم تتوقف تبعات أحداث 2016 عند ليلة الانقلاب التي راح ضحيتها 251 شخصاً وأصيب فيها أكثر من ألفين، بل تحولت إلى حملة قانونية وأمنية غير مسبوقة طالت ملايين الأشخاص.
وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة مؤخراً عن وزارة العدل التركية في منتصف عام 2026 إلى أن عدد الأشخاص الذين واجهوا إجراءات قانونية تجاوز 720 ألف شخص، أدين منهم ما يقرب من 127,102 شخصاً بتهم تتعلق بالانتماء لحركة كولن.
وبحسب البيانات الحديثة، لا تزال الملاحقات مستمرة بوتيرة عالية؛ فخلال النصف الأول من عام 2026 وحده، نفذت السلطات التركية 1,065 عملية أمنية، أسفرت عن اعتقال 2,451 شخصاً.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم التغلغل الأمني في النسيج الاجتماعي، حيث لا يزال أكثر من 83 ألف شخص رهن التحقيق أو المحاكمة، في حين يقبع ما يزيد عن 10 آلاف في السجون، مع صدور مذكرات توقيف بحق ما يقرب من 34 ألف آخرين.
الموقف الدولي: قلق أممي وصفعات قضائية أوروبية
تواجه المنهجية القضائية التركية انتقادات دولية لاذعة، حيث ترى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن المحاكم المحلية ارتكبت أخطاء نظامية في تكييف القوانين. وقد برز ذلك بوضوح في حكم “يوكسل يالتشين كايا” عام 2023، الذي قرر أن استخدام تطبيق المراسلة “بايلوك” لا يمكن اعتباره دليلاً آلياً على الانتماء لتنظيم إرهابي.
كما أكدت أحكام قضائية أخرى، مثل قضية “يساق ضد تركيا” في مايو من العام الجاري، أن العمل في شبكات تعليمية قانونية قبل تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية لا يمكن أن يشكل نية جرمية.
وفي سياق متصل، حذر خبراء الأمم المتحدة من أن قوانين مكافحة الإرهاب في تركيا تُستخدم لتجريم سلوكيات مشروعة، محذرين من أن السجن المنهجي والواسع النطاق الذي ينتهك القانون الدولي قد يرتقي إلى مستوى “جرائم ضد الإنسانية”.
وتتعزز هذه الانتقادات بالنظر إلى أن تركيا هي الطرف الوحيد الذي يصنف الحركة كمنظمة إرهابية، في حين ترفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا التصنيف.
جذور الصراع وتساؤلات التحقيق الغائبة
يعود التصعيد ضد حركة كولن، التي تصف نفسها بأنها مبادرة مدنية تركز على التعليم والحوار والعمل الإنساني، إلى ما قبل الانقلاب، وتحديداً عقب تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013 التي طالت الدائرة المقربة من الرئيس رجب طيب أردوغان.
وقد استغلت السلطة محاولة الانقلاب لتوسيع نطاق حملتها، رغم نفي كولن (الذي توفي في أكتوبر 2024 بمنفاه في أمريكا) وأتباعه أي صلة بتلك الأحداث.
بيد أن ما يعزز المطالبة بتحقيق دولي مستقل هو وجود “فجوات غامضة” في التحقيقات المحلية؛ حيث لم تستمع اللجنة البرلمانية التي تشكلت عقب الانقلاب إلى شهادات رئيس الأركان آنذاك خلوصي أكار، ولا مدير الاستخبارات هاكان فيدان، كما لم يتم نشر تقرير اللجنة البرلمانية بشكل رسمي حتى الآن. وهذا التعتيم يغذي الشكوك حول اكتمال الرواية الرسمية ويدعم وجهة النظر القائلة بأن المحاكمات سياسية تهدف لترسيخ سلطة الحكومة لا لإرساء سيادة القانون.
رؤية للمستقبل: المصالحة بدلاً من اللوم الجماعي
تتمسك الفعاليات الحقوقية المرتبطة بالحركة بأن التضامن مع عائلات الضحايا المتضررين من الفصل التعسفي والسجن ليس جريمة، بل هو مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
ويرى “تحالف القيم المشتركة” أن الدولة التركية بحاجة ماسة إلى استعادة سيادة القانون، وجبر أضرار الملايين الذين دمرت حياتهم، والسعي نحو مصالحة اجتماعية شاملة تنهي عقداً من الكراهية واللوم الجماعي، بدلاً من المضي قدماً في دورة جديدة من الملاحقات والتنكيل.
خلاصة
تتصاعد المطالب الدولية بإجراء تحقيق مستقل في أحداث انقلاب تركيا 2016 لإنهاء سياسة العقاب الجماعي وجبر ضرر الملايين، وسط انتقادات حقوقية وقانونية لآليات التقاضي التي تجرم الأفعال القانونية وتتجاهل أحكام المحكمة الأوروبية.

