ذاكرة تنصف الضحايا، وعدالة لا تورِّث الاتهام، ومصالحة تعيد المجتمع إلى نفسه
بقلم: صابر المشرفي
ليست عشر سنوات زمنًا قصيرًا في عمر الأفراد، لكنها في عمر الدول قد تكون مجرد فصل لم يُكتب سطره الأخير بعد. وفي الخامس عشر من يوليو/تموز من كل عام، تعود تركيا إلى تلك الليلة الثقيلة من عام 2016؛ ليلة اضطربت فيها البلاد، وحلَّقت الطائرات فوق أنقرة، وتحركت الدبابات، وسقط قتلى وجرحى من المدنيين ورجال الأمن والجيش.
وبعيدًا عن كل ما قيل بعد ذلك، تبقى حقيقة لا ينبغي الاختلاف عليها: الانقلاب العسكري ليس طريقًا إلى الديمقراطية، ولا يجوز أن يحل السلاح محل صندوق الاقتراع. والذين خرجوا إلى الشوارع في تلك الليلة لم يدافعوا عن شخص أو حزب فحسب، بل دافعوا عن حق الشعب في اختيار من يحكمه.
لهذا يستحق الضحايا أن تُصان ذكراهم، وأن تُحترم آلام أسرهم، وألا يتحول الحديث عن العدالة إلى تقليل من تضحياتهم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد مرور عقد كامل هو: هل تستطيع أمة أن تبقى إلى الأبد أسيرة لحظة استثنائية، أم أن عليها أن تنتقل من رد الفعل إلى المراجعة، ومن الخوف إلى القانون، ومن الانقسام إلى المصالحة؟
من حق الدولة أن تحمي نفسها
كان من الطبيعي أن تتحرك الدولة التركية عقب محاولة الانقلاب، وأن تحقق مع المشاركين فيها، وأن تحاكم كل من أصدر أمرًا بقصف مؤسسة أو قتل مواطن أو تقويض النظام الدستوري.
لكن ما حدث بعد ذلك اتسع كثيرًا، حتى أصبحت الصلة بمدرسة أو جمعية أو صحيفة أو مصرف أو نقابة، وفي حالات كثيرة استخدام تطبيق إلكتروني، قرائن كافية لإدخال أشخاص في دائرة الاتهام، ولم يعد السؤال دائمًا: ماذا فعل هذا الإنسان؟ بل أصبح في أحيان كثيرة: مع من عمل؟ وأين درس؟ ومَن كان يعرف؟
هنا بدأ الخلط بين الجريمة والانتماء، وبين الفعل الفردي والهوية الجماعية.
والدولة القوية ليست التي تعاقب أكبر عدد ممكن من الناس، بل التي تستطيع أن تصل إلى الجاني من دون أن تظلم البريء. فالجريمة شخصية، ولا تنتقل إلى الزوجة والأبناء، ولا يتحمل المعلم أو الطبيب أو رجل الأعمال مسؤولية ما قد يرتكبه شخص آخر لمجرد أنهما التقيا يومًا في مؤسسة واحدة.
لقد تحملت أسر تركية كثيرة خلال الأعوام الماضية ثمن اتهامات لم تكن طرفًا فيها؛ فقد الأبناء آباءهم، وخسر موظفون أعمالهم، وأُغلقت مدارس ومؤسسات، ووجد أشخاص أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم الاجتماعية؛ لا بسبب فعل ثبت عليهم، ولكن بسبب الاشتباه في صلتهم ببيئة واسعة كانت تعمل في التعليم والإغاثة والإعلام والحوار الثقافي.
وهذا هو الموضع الذي تحتاج فيه تركيا اليوم إلى مراجعة هادئة وشجاعة.
ما قاله كولن في تلك الليلة
من الوقائع التي غابت أحيانًا عن السرد العام أن الأستاذ الراحل فتح الله كولن أصدر-بينما كانت محاولة الانقلاب ما تزال جارية- بيانًا واضحًا أدان فيه التحرك العسكري، وأكد أن الحكم يُنال عبر انتخابات حرة ونزيهة، لا بالقوة. ثم نفى أي صلة له بما حدث، ودعا لاحقًا إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق، معلنًا استعداده لقبول نتائجها إذا أثبتت مسؤوليته.
لا يكفي بيان يصدره متهم لإثبات براءته، هذه قاعدة مفهومة، لكن الاتهام السياسي بدوره لا يكفي لإثبات الإدانة، وبين النفي والاتهام توجد المحكمة المستقلة، والدليل القابل للفحص، وحق الدفاع، والتحقيق الذي لا يستبعد سؤالًا ولا يغلق بابًا.
وحركة «الخدمة»، التي ارتبطت باسم فتح الله كولن، تقدم نفسها بوصفها حركة مدنية قامت على التعليم والعمل الخيري والحوار بين الثقافات والأديان. وقد أنشأ المتطوعون المتأثرون بأفكارها مدارس ومؤسسات ثقافية وإنسانية في بلدان كثيرة.
هذا لا يجعل الحركة فوق النقد، فمن حق الأتراك أن يسألوا عن بنيتها، وطريقة إدارتها، وعلاقتها القديمة بالمجال العام ومؤسسات الدولة. وليس من الحكمة أن تدعي أي حركة بشرية أنها لم ترتكب أخطاء أو أنها لا تحتاج إلى مراجعة تجربتها.
لكن المساءلة شيء، وتحويل حركة مدنية واسعة إلى كتلة إجرامية واحدة شيء آخر. وإذا ثبت أن فردًا من المنتمين إليها شارك في عمل عنيف، فعليه أن يتحمل مسؤوليته كاملة. أما أن تتحول صلة فكرية أو تعليمية إلى إدانة جاهزة، فذلك يبتعد عن أبسط قواعد العدالة.
أسئلة لا تزال مفتوحة
بعد عشر سنوات، ما زالت هناك أسئلة حول ليلة الخامس عشر من يوليو تحتاج إلى إجابات أكثر إقناعًا: من أصدر الأوامر الأولى؟ لماذا تحركت الوحدات العسكرية في أوقات مختلفة؟ إلى أي مدى كان الجنود الأقل رتبة يعرفون حقيقة ما يجري؟ مَن كان يملك معلومات مسبقة؟ ولماذا لم تُعرض جميع جوانب التحقيق أمام الرأي العام بصورة تسمح ببناء رواية وطنية مشتركة؟
طرح هذه الأسئلة لا يبرئ متهمًا، ولا يهين ضحية، ولا ينكر وقوع محاولة انقلاب، إنه فقط يرفض اختزال واقعة شديدة التعقيد في رواية لا تسمح بالمراجعة.
وقد خلصت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم البريطاني، بعد استماعها إلى أطراف مختلفة، إلى وجود مؤشرات على مشاركة أفراد عُرفوا بصلتهم بالحركة، لكنها لم تجد أدلة علنية حاسمة تثبت أن الحركة كلها، أو قيادتها، هي التي خططت للانقلاب وأدارته. كما لم تعتمد بريطانيا تصنيف الحركة تنظيمًا إرهابيًا.
هذه الخلاصة لا تمثل حكمًا قضائيًا نهائيًا، لكنها تذكّرنا بالفارق الضروري بين الشبهة والدليل، وبين مسؤولية أفراد ومسؤولية جماعة كاملة.
حين أعاد القضاء فتح الملفات
لم تبق الاعتراضات على محاكمات ما بعد الانقلاب داخل السجال السياسي. ففي سبتمبر 2023 أصدرت الدائرة الكبرى في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها في قضية المعلم التركي يوكسل يالتشنكايا، ورأت أن إدانته شابتها انتهاكات للحق في المحاكمة العادلة ولمبدأ أنه لا جريمة ولا عقوبة من دون نص قانوني واضح.
وكان جانب مهم من القضية متعلقًا بتطبيق «بايلوك»، الذي عُدَّ استخدامه أو الاشتباه في استخدامه دليلًا على العضوية في تنظيم إرهابي، ثم جاءت أحكام لاحقة في آلاف القضايا المشابهة لتؤكد أن التعامل مع استخدام التطبيق باعتباره، وحده، أساسًا للإدانة يفتح الباب أمام الملاحقة والعقاب التعسفيين.
لم تقل المحكمة من دبر الانقلاب، ولم تحكم ببراءة حركة أو إدانتها. لكنها قالت بوضوح إن بعض المحاكمات لم تحقق شروط العدالة، وهذا وحده يكفي لفتح باب المراجعة.
بعد عشرة أعوام، لم يعد من المنطقي بقاء أحكام قاسية قائمة على قرائن عامة، وليس في إعادة المحاكمة أو رد الحقوق إلى الأبرياء إضعاف للدولة، العكس هو الصحيح؛ فالدولة تكسب احترام مواطنيها حين تملك شجاعة تصحيح أخطائها.
مصالحة لا تلغي المحاسبة
لا تحتاج تركيا إلى نسيان الخامس عشر من يوليو، بل إلى فهمه على نحو أعمق، ولا تحتاج إلى تبرئة كل من اتُّهم، بل إلى إعادة النظر في كل قضية لم يقم فيها دليل فردي واضح.
يمكن محاسبة من شارك في العنف، وفي الوقت نفسه الإفراج عمن لم تثبت عليه جريمة، ويمكن تكريم الضحايا، مع إعادة الموظفين الذين عوقبوا بغير حق إلى أعمالهم. ويمكن حماية الدولة، من دون أن يدفع الأطفال ثمن اتهامات وُجهت إلى آبائهم.
أما حركة الخدمة، فعليها أن تواصل خطابها الداعي إلى السلم والمصالحة، وأن تكون أكثر انفتاحًا في مراجعة تجربتها، وأكثر وضوحًا في الفصل بين العمل المدني وأي طموح سياسي، فالتعليم والحوار وخدمة الإنسان هي المجالات التي عُرفت بها، وهي كذلك الطريق الأقصر إلى استعادة الثقة.
لا تعني المصالحة أن يتنازل الضحايا عن حقوقهم، ولا أن تتساوى المسؤوليات، وإنما تعني أن تتوقف التهمة عن أن تكون ميراثًا، وأن يعود القانون إلى مكانه الطبيعي بين الدولة والمواطن.
من مصر.. حديث المحبة لا الخصومة
أكتب هذه السطور من مصر، لكن تركيا ليست بلدًا بعيدًا عن وجداني؛ فقد عشت فيها سنوات، وعرفت عن قرب طيبة أهلها وعمق ثقافتها ومكانتها في العالم الإسلامي، ولذلك لا أنظر إلى أزمتها الداخلية بمنطق الشماتة أو الخصومة، وإنما بعين تتمنى لها القوة والاستقرار والعدل.
وقد قطعت القاهرة وأنقرة خلال السنوات الأخيرة شوطًا مهمًا في استعادة علاقاتهما، وهذا التقارب مكسب للبلدين، ولا ينبغي أن يكون أسير خلافات الماضي أو التجاذبات الداخلية.
ليس مطلوبًا من مصر أن تصبح طرفًا في خصومة تركية، ولا أن تتدخل في شأن داخلي، وفي الوقت نفسه، فإن احترام الدولة التركية لا يقتضي تجاهل معاناة أبرياء أو التسليم بأن كل من وُجه إليه اتهام قد صار مذنبًا.
مصلحة مصر أن تكون تركيا قوية ومستقرة ومتصالحة مع نفسها، ومصلحة تركيا أن تكون مصر قوية وقادرة على أداء دورها الإقليمي؛ فالبلدان يواجهان تحديات مشتركة في غزة وليبيا وشرق المتوسط، ويملكان من عناصر القوة ما يمكن أن يصنع توازنًا ضروريًا في المنطقة.
والعلاقة الناضجة بين دولتين كبيرتين تتسع للاحترام المتبادل، كما تتسع للكلمة الصادقة التي لا تستهدف نظامًا ولا تحرض على دولة، بل تنتصر للإنسان والعدل.
الانتصار الذي تنتظره تركيا
انتصر الشعب التركي في الخامس عشر من يوليو حين رفض أن تحكمه الدبابات، لكن هناك انتصارًا آخر لا يقل أهمية: أن تتحرر البلاد من الخوف الذي خلفته تلك الليلة، وأن تعيد فحص ملفاتها، وتنصف من ظُلموا، وتغلق أبواب الانتقام الجماعي.
لن تخسر الدولة هيبتها إذا اعترفت بأن بعض الإجراءات تجاوزت حدودها، ولن تُهان دماء الضحايا إذا استعاد بريء حريته أو عمله أو اسمه، بل إن أفضل وفاء لمن ماتوا دفاعًا عن الديمقراطية هو بناء دولة لا يُسجن فيها إنسان بلا دليل، ولا تُعاقب فيها أسرة بذنب لم ترتكبه.
بعد عشر سنوات، تستحق تركيا أن تنتقل من ذاكرة الانقلاب إلى أفق المصالحة؛ فهي دولة كبيرة، وشعبها أكبر من أن يظل منقسمًا إلى أبد الدهر بين متهم ومنتصر، وبين مطارد وصامت.
لقد استطاعت تركيا أن توقف الدبابات في ليلة واحدة، ولعلها تستطيع اليوم أن توقف دائرة الألم التي استمرت عشرة أعوام.

