خطت تركيا و”جمهورية شمال قبرص التركية” خطوة جديدة نحو تعزيز تعاونهما في قطاع الطاقة، بعد توقيع مذكرة تفاهم لإطلاق مشروع خط أنابيب غاز طبيعي يمتد تحت مياه البحر المتوسط بطول 97 كيلومتراً، يربط الساحل الجنوبي لتركيا بشمال الجزيرة، في مشروع تصفه أنقرة بأنه استراتيجي على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي.
ويأتي هذا المشروع في وقت تتواصل فيه المنافسة الإقليمية على موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط، وسط استمرار الخلافات البحرية بين تركيا وجمهورية قبرص، وتزايد مساعي أنقرة لتقليل اعتمادها على واردات الغاز الخارجية وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة.
مذكرة تفاهم لإطلاق المشروع البحري
شهدت العاصمة القبرصية الشمالية نيقوسيا مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين تركيا والسلطات في شمال قبرص، تمهيداً للبدء في تنفيذ مشروع خط أنابيب غاز طبيعي يربط منطقة ألانيا الواقعة على الساحل الجنوبي لتركيا بشمال قبرص عبر البحر.
ويبلغ طول الخط المخطط له 97 كيلومتراً، ويستهدف في مرحلته الأولى تزويد محطات توليد الكهرباء في شمال قبرص بالغاز الطبيعي بدلاً من الوقود السائل المستخدم حالياً.
وأكد نائب الرئيس التركي جودت يلماز، خلال مراسم التوقيع، أن الاتفاق يمثل بداية العمل الفعلي على مشروع وصفه بأنه سيصل البلدين بخط غاز بحري، مشيراً إلى أن المشروع لن يقتصر على مد الأنابيب فقط، بل سيشمل أيضاً إنشاء محطات استقبال ومنشآت فنية وبنية تحتية مساندة تتيح إدخال الغاز الطبيعي إلى شمال الجزيرة.
جدول زمني يمتد حتى عام 2028
بحسب الخطة المعلنة، تعتزم تركيا استكمال الدراسات والأعمال الهندسية الخاصة بالمشروع بحلول نهاية عام 2026، على أن تبدأ عمليات التشغيل التجاري للخط خلال عام 2028.
وكان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار قد كشف في مايو الماضي عن الخطوط العريضة للمشروع، موضحاً أن العمل الهندسي سيمضي وفق جدول زمني يتيح تشغيل الخط في الموعد المستهدف.
ولم تكشف السلطات التركية حتى الآن عن التكلفة الإجمالية للمشروع، أو سعته السنوية لنقل الغاز، أو آلية تمويله، أو الجهة التي ستتحمل النفقات، كما لم تُعلن نتائج دراسات الجدوى الاقتصادية والبيئية أو تفاصيل العقود الخاصة بتوريد الغاز إلى شمال قبرص.
تحول في قطاع الطاقة بشمال قبرص
ترى أنقرة أن المشروع سيحدث تحولاً جذرياً في منظومة الطاقة داخل شمال قبرص، حيث تعتمد محطات توليد الكهرباء حالياً بصورة رئيسية على الوقود السائل، وهو ما يرفع تكاليف الإنتاج ويزيد من الانبعاثات البيئية.
ويُتوقع أن يؤدي التحول إلى الغاز الطبيعي إلى تعزيز أمن الطاقة، وخفض كلفة إنتاج الكهرباء، وتقليل الآثار البيئية الناتجة عن استخدام الوقود التقليدي.
وأشار جودت يلماز إلى أن آثار المشروع لن تقتصر على قطاع الكهرباء، بل ستمتد إلى قطاعات النقل والزراعة والسياحة والصناعة، إضافة إلى الاستخدامات المنزلية، معتبراً أن إدخال الغاز الطبيعي سيفتح مرحلة جديدة في التنمية الاقتصادية داخل شمال قبرص.
وأضاف أن المشروع ينسجم مع توجهات التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية، ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد القبرصي التركي.
مشروع يتجاوز تزويد الكهرباء
لا تقتصر الرؤية التركية للمشروع على تلبية الاحتياجات الحالية من الطاقة، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية طويلة الأمد.
وأوضح وزير الطاقة التركي أن خط الأنابيب صُمم بحيث يكون قابلاً للعمل في الاتجاهين مستقبلاً، بحيث يمكن استخدامه لنقل الغاز من شمال قبرص إلى تركيا إذا ما تم اكتشاف احتياطيات تجارية من الغاز في شرق البحر المتوسط.
ويرى مسؤولون أتراك أن هذا السيناريو قد يحول شمال قبرص إلى نقطة عبور للطاقة نحو الأراضي التركية، وربما إلى الأسواق الأوروبية مستقبلاً، وهو ما يمنح المشروع بعداً جيوسياسياً يتجاوز دوره المحلي.
دعم اقتصادي ضمن اتفاق التعاون بين الجانبين
خلال زيارته إلى شمال قبرص، أجرى جودت يلماز سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين، شملت رئيس الوزراء أونال أوستال ورئيس الجمهورية إرسين تتار.
ووصف يلماز مشروع خط الأنابيب بأنه “مشروع تاريخي”، مؤكداً أن العمل عليه مستمر منذ فترة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد اتخاذ خطوات تنفيذية متتالية.
كما أعلن أن أنقرة ستواصل دعم المشاريع الهادفة إلى تعزيز الإنتاج والتنمية الاقتصادية ورفع مستوى الرفاه في شمال قبرص، وذلك في إطار اتفاقية التعاون الاقتصادي والمالي الموقعة بين الجانبين لعام 2026.
ورافق نائب الرئيس التركي في الزيارة كل من وزير الطاقة والموارد الطبيعية ألب أرسلان بيرقدار ووزير الزراعة والغابات إبراهيم يوماقلي.
جزء من استراتيجية تركية أوسع لأمن الطاقة
يأتي المشروع في إطار استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
فتركيا لا تزال تستورد معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتعتمد بصورة كبيرة على روسيا وأذربيجان وإيران، وهو ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات.
ولذلك تعمل أنقرة خلال السنوات الأخيرة على توسيع إنتاجها المحلي، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، وإبرام اتفاقيات توريد جديدة، إلى جانب تطوير البنية التحتية لنقل الغاز.
ويُنظر إلى مشروع خط الأنابيب الجديد باعتباره جزءاً من هذه الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة ورفع مرونة شبكة الإمدادات.
المشروع في قلب صراع شرق المتوسط
يتجاوز المشروع أبعاده الاقتصادية، إذ يأتي في سياق النزاع المستمر بين تركيا وجمهورية قبرص بشأن ترسيم الحدود البحرية واستغلال ثروات شرق البحر المتوسط.
وتواصل أنقرة تنفيذ عمليات التنقيب عن النفط والغاز في مناطق تعتبرها جزءاً من جرفها القاري، إضافة إلى مناطق منحت فيها سلطات شمال قبرص تراخيص لشركة البترول التركية الحكومية (TPAO).
في المقابل، ترفض جمهورية قبرص، المعترف بها دولياً، هذه المطالب، وتؤكد أن عمليات التنقيب التركية تتم داخل مناطق تعتبرها جزءاً من منطقتها الاقتصادية الخالصة.
كما منحت نيقوسيا تراخيص تنقيب لشركات أمريكية وأوروبية في عدد من القطاعات البحرية، بما في ذلك مناطق تعترض عليها تركيا.
توتر مستمر رغم تراجع حدة المواجهة
بلغت الخلافات حول عمليات التنقيب ذروتها خلال عامي 2019 و2020، عندما أرسلت تركيا سفن حفر وسفن مسح زلزالي إلى مناطق متنازع عليها قبالة السواحل القبرصية، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض إجراءات وعقوبات بحق أنقرة.
ورغم تراجع حدة التوتر خلال السنوات اللاحقة، بعد انتقال جانب كبير من أنشطة الحفر التركية إلى البحر الأسود، فإن الخلافات القانونية والسياسية المتعلقة بموارد شرق المتوسط لا تزال قائمة، ويُتوقع أن يستمر تأثيرها على مشاريع الطاقة المستقبلية في المنطقة.
أبعاد استراتيجية تتجاوز الاقتصاد
يرى مراقبون أن المشروع لا يمثل مجرد استثمار في قطاع الطاقة، بل يعكس أيضاً رغبة تركيا في ترسيخ حضورها الاستراتيجي في شرق المتوسط، وتعزيز ارتباط شمال قبرص بالبنية التحتية التركية على المستويات الاقتصادية والطاقة.
وفي المقابل، من المرجح أن يواجه المشروع اعتراضات من جمهورية قبرص واليونان، وربما يثير نقاشات جديدة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن التوازنات الإقليمية ومستقبل مشاريع الطاقة في شرق المتوسط، خاصة إذا ارتبط مستقبلاً بخطط تصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

