تواجه تركيا موجة جديدة من الجدل بشأن حدود حرية التعبير بعد قرار محكمة في إسطنبول توقيف الممثل الكوميدي التركي دنيز غوكتاش احتياطياً على ذمة المحاكمة، بتهمتي “إهانة رئيس الجمهورية” و”الإساءة العلنية إلى القيم الدينية التي تتبناها شريحة من المجتمع”، على خلفية عرضه الكوميدي الشهير “البحر الميت” (Ölü Deniz)، الذي تحول خلال أيام قليلة إلى أحد أكثر العروض مشاهدة على منصة يوتيوب.
وأصدرت المحكمة قرارها بعد يوم من توقيف غوكتاش في مطار إسطنبول أثناء عودته من عطلة كان قد خطط لها مسبقاً خارج البلاد، حيث جرى احتجازه خلال إجراءات مراقبة الجوازات قبل نقله إلى مديرية أمن إسطنبول، ثم إلى قصر العدل للإدلاء بإفادته أمام النيابة العامة، التي طالبت لاحقاً بإيداعه السجن إلى حين محاكمته، وهو ما استجابت له المحكمة.
عرض كوميدي يتحول إلى قضية رأي عام
بدأت القضية بعد نشر غوكتاش، في الرابع والعشرين من يونيو، تسجيل عرضه الكوميدي الممتد لنحو تسعين دقيقة على قناته في يوتيوب، ليحقق خلال نحو عشرة أيام فقط أكثر من تسعة ملايين ونصف المليون مشاهدة، ما جعله مادة واسعة التداول على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويتناول العرض، بأسلوب ساخر، ملفات سياسية واجتماعية متعددة، من بينها الرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو، والجامعات التركية، والاحتجاجات، والقومية، وأوضاع أبناء العائلات المحافظة ذات التوجه العلماني، إضافة إلى قضايا الحريات العامة.
غير أن بعض المقاطع أثارت غضب وسائل إعلام مقربة من الحكومة وحسابات محافظة على مواقع التواصل، التي اتهمت غوكتاش بالسخرية من القرآن الكريم والإساءة إلى المقدسات الإسلامية، وهو ما دفع النيابة العامة إلى فتح تحقيق رسمي بحقه.
مضمون الاتهامات
تركز التحقيقات على محورين رئيسيين.
الأول يتعلق بتهمة إهانة الرئيس أردوغان، بعد استخدام غوكتاش كلمة “ديكتاتور” خلال عرضه.
أما المحور الثاني، فيتعلق باتهامه بالإساءة العلنية إلى القيم الدينية، بسبب فقرة تناول فيها الكتب السماوية، وتضمنت مزحة حول اعتبار القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، ووصفه – في سياق ساخر – بأنه “ترجمة ضعيفة”، وهي العبارة التي اعتبرها منتقدوه تجاوزاً للمقدسات.
دفاع غوكتاش أمام الشرطة والنيابة
نفى غوكتاش جميع الاتهامات الموجهة إليه، مؤكداً في إفادته أمام الشرطة ثم أمام النيابة أنه لم يقصد إطلاقاً الإساءة إلى المؤمنين أو إلى الإسلام.
وأوضح أن العرض يُقدم منذ نحو ثلاث سنوات في مدن تركية مختلفة، وشاهده أكثر من مئة ألف شخص مباشرة، ولم يتلق خلال تلك الفترة أي شكوى من الجمهور بشأن الفقرة محل التحقيق.
وأضاف أن المزحة المتعلقة بالقرآن جاءت في إطار النقاشات المجتمعية الدائرة منذ سنوات حول اختلاف تفسيرات النصوص الدينية، ولم تكن تستهدف العقيدة الإسلامية أو مشاعر المؤمنين.
كما شدد على أنه لم يكن يقصد إهانة الرئيس أردوغان، موضحاً أن استخدام كلمة “ديكتاتور” يندرج ضمن توصيف سياسي متداول في النقاشات العامة، شأنه شأن مصطلحات مثل “ديمقراطي” أو “استبدادي”، وأن العرض يناقش بطبيعته قضايا الحكم السلطوي، وحرية التعبير، والمشكلات الاجتماعية من خلال الكوميديا الساخرة.
مفارقة لافتة داخل العرض
من أكثر الجوانب التي لفتت الانتباه أن غوكتاش يتناول داخل العرض نفسه احتمال ملاحقته قضائياً أو سجنه بسبب النكات التي يقدمها، محولاً الضغوط القانونية المفروضة على الفنانين إلى أحد محاور العمل الكوميدي.
كما يتضمن العرض مجسماً ضخماً لرأسه على خشبة المسرح، في إشارة رمزية إلى المخاطر الشخصية التي قد يتعرض لها بسبب مواقفه الساخرة.
وفي فقرة أخرى، يقارن بين الآباء الصالحين والسيئين، ليشير بصورة غير مباشرة إلى حادثة السير الشهيرة عام 1998 التي تورط فيها أحمد بوراك أردوغان، نجل الرئيس التركي، والتي أسفرت عن وفاة مطربة الموسيقى الكلاسيكية التركية سيفيم تانورك بعد أيام من إصابتها، قبل أن تتم تبرئة نجل الرئيس لاحقاً من المسؤولية القانونية. وكان غوكتاش قد وصف هذه الفقرة لاحقاً بأنها المفضلة لديه في العرض.
احتجاجات واسعة داخل وخارج المحكمة
أثار قرار توقيف غوكتاش موجة احتجاجات أمام مجمع محاكم تشاغلايان في إسطنبول، حيث تجمع مئات الأشخاص من فنانين وسياسيين ونشطاء وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
وردد المحتجون شعارات من بينها “دنيز غوكتاش ليس وحده”، و”لن ترهبنا الاعتقالات والضغوط” و”كتفاً إلى كتف ضد الفاشية”، كما رفعوا لافتات كتب عليها “الحرية للطبيعة والفن والإنسان”، و”الحرية للفن والفنانين”، و”المنع لكم… والفكاهة لنا”.
ودفعت الشرطة التركية بعناصر أمن إضافية وعربة مياه إلى محيط المحكمة تحسباً لأي تصعيد.
تضامن واسع من الوسط الفني
أعلنت نقابة الممثلين تضامنها الكامل مع غوكتاش، مطالبـة بالإفراج الفوري عنه واحترام الإجراءات القانونية.
وقال الممثل جَم ييغيت أوزوم أوغلو، متحدثاً باسم النقابة، إن حرية التعبير حق يكفله الدستور، وإن الفنانين لا ينبغي أن يواجهوا ضغوطاً قضائية بسبب أعمالهم الفنية أو آرائهم النقدية.
كما أكدت الممثلة سلين شكرجي، التي حضرت إلى المحكمة، أن وجود غوكتاش في قفص الاتهام يفتقر إلى أي مبرر حقيقي، واصفة إياه بأنه فنان يستحق الدعم.
وشهدت مواقع التواصل موجة تضامن واسعة من ممثلين وموسيقيين وصحفيين، من بينهم غونجا فوسلاتري، وأرماغان تشاغلايان، وإمره أيدن، وفوندا إرييغيت، وليمان سام.
من جانبها، اعتبرت مجموعة توزبيبر للكوميديا الارتجالية، التي ينتمي إليها غوكتاش، أن القضية لا تستهدف شخصاً بعينه، وإنما تستهدف مساحة السخرية نفسها، مؤكدة أن “مكان الكوميدي هو المسرح، لا السجن”، وأن “الفكاهة تمتلك ذاكرة لا يمكن تقييدها بالأصفاد”.
المعارضة: القضية دليل على استخدام القضاء ضد المنتقدين
شن رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل هجوماً حاداً على الحكومة، مؤكداً أن غوكتاش لم يرتكب جريمة قتل أو سرقة أو فساد، وإنما دخل السجن لأنه قدّم عرضاً كوميدياً ينتقد السلطة.
وأشار إلى أن النيابة اعتبرت عودته إلى تركيا دليلاً على احتمال فراره، رغم أنه عاد طواعية بعد علمه بالتحقيق، معتبراً أن ذلك يكشف طبيعة النظام القضائي الحالي.
ووصف أوزال المشهد بأنه اختبار بين الديمقراطية والاستبداد، قائلاً إن السلطة باتت تتعامل بعدائية مع كل من يقف خارج صفوفها.
في المقابل، حضر الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار أوغلو إلى المحكمة لمتابعة القضية، إلا أن وجوده أثار انقساماً بين المحتجين الذين أطلق بعضهم هتافات معارضة له، في ظل استمرار الأزمة الداخلية التي يعيشها الحزب عقب القرار القضائي المثير للجدل الذي أعاده إلى رئاسته بعد إقصاء أوزغور أوزيل.
أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني تدخل على الخط
شارك في الوقفة الاحتجاجية ممثلون عن حزب العمال التركي، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وحزب العمل، وحزب الشعب الجمهوري، إضافة إلى نقابة الممثلين، ومجلة “أويكوسوز”، ومجموعة “توزبيبر”.
ورأت الأحزاب المعارضة أن القضية تعكس تضييقاً متزايداً على حرية الرأي والسخرية السياسية.
وأكد حزب العمال التركي أن السلطة لا تتسامح مع النقد أو الفكاهة، فيما اعتبر حزب العمل أن الحكومة أصبحت غير قادرة على تحمل أي رأي مخالف.
أما الرئيسة المشتركة لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب تولاي حاتم أوغلاري، فقالت إن القضية تعني عملياً أن “الضحك نفسه أصبح محظوراً”، مؤكدة أن المسرح ليس مسرح جريمة، وأن النكتة ليست دليلاً جنائياً.
كما كتب الممثل شوكت تشوروح أن تركيا وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها “إضحاك الناس عملاً يثير الشبهات”.
منظمة العفو الدولية: الاحتجاز تعسفي
وصفت منظمة العفو الدولية – فرع تركيا – قرار توقيف غوكتاش بأنه أحدث مثال على إساءة استخدام منظومة العدالة الجنائية لقمع حرية التعبير.
وأكدت المنظمة أن احتجازه تعسفي وغير مشروع، مطالبة بالإفراج الفوري عنه، ومشددة على أن توجيه اتهامات جنائية بسبب عرض فني يمثل انتهاكاً واضحاً لحرية الرأي.
انتقادات أوروبية قبل قمة الناتو
امتدت ردود الفعل إلى خارج تركيا، إذ اعتبرت منظمة “الديمقراطيون الأوروبيون” أن توقيف ممثل كوميدي بالأصفاد وكأنه يشكل تهديداً للأمن القومي يعكس واقع حرية التعبير في تركيا، خاصة مع اقتراب انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة.
وقالت المنظمة إن المشكلة ليست في الكوميديا، وإنما في خوف السلطة من المواطنين الأحرار، معتبرة أن القضية تكتسب بعداً دولياً في ظل استعداد تركيا لاستضافة قادة الدول الأعضاء في الحلف وسط إجراءات أمنية مشددة وقيود على التجمعات العامة.
قيود إلكترونية سبقت الاعتقال
قبل توقيف غوكتاش، حجبت السلطات التركية عدداً من المنشورات على منصة “إكس” التي تضمنت مقاطع من العرض الكوميدي، مستندة إلى مبررات تتعلق بالأمن القومي والنظام العام، وذلك بعد أن اتهم القيادي السابق في حزب العدالة والتنمية شامل طيار الفنان بإهانة الرئيس.
وأظهرت تسجيلات مصورة تداولتها وسائل الإعلام التركية غوكتاش مكبل اليدين من الخلف أثناء احتجازه، وهو مشهد أثار موجة إضافية من الانتقادات.
القضية ضمن سياق أوسع لتقييد السخرية
لا تُعد قضية غوكتاش معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الملاحقات القضائية التي تستهدف الكوميديين والفنانين في تركيا.
ففي مايو الماضي، طالبت النيابة العامة بسجن الكوميدية طوبا أولو لمدة تصل إلى ثلاث سنوات بسبب مزحة تناولت السلطان العثماني سليمان القانوني، بعد اتهامها بالتحريض على الكراهية وإهانة القيم التاريخية والوطنية، قبل الإفراج عنها لاحقاً مع فرض الرقابة القضائية.
ويرى المدافعون عن حرية التعبير أن اللجوء إلى قوانين إهانة الرئيس، أو الإساءة إلى القيم الدينية، أو التحريض على الكراهية، بات يشكل أداة متكررة لملاحقة الفنانين والصحفيين والأكاديميين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بسبب آرائهم.
وتشير منظمات دولية إلى استمرار تراجع أوضاع الحريات في تركيا، إذ تصنف منظمة “فريدوم هاوس” البلاد ضمن الدول “غير الحرة”، بينما جاءت تركيا في المرتبة 163 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، وهو ما يعكس استمرار الانتقادات الدولية بشأن أوضاع حرية الإعلام والتعبير في البلاد.
التطورات الأخيرة
تحولت قضية دنيز غوكتاش إلى واحدة من أبرز ملفات حرية التعبير في تركيا خلال عام 2026، بعدما تجاوزت كونها نزاعاً قضائياً حول عرض كوميدي لتصبح رمزاً للنقاش المتصاعد بشأن حدود السخرية السياسية، واستخدام الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي، ومدى استقلال القضاء في التعامل مع القضايا ذات الطابع السياسي، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية ودبلوماسية مهمة، وفي مقدمتها قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة.
خلاصة
تكشف قضية دنيز غوكتاش تصاعد الجدل حول العلاقة بين القضاء وحرية التعبير في تركيا، وتحول الأعمال الكوميدية الساخرة إلى ملفات قضائية ذات أبعاد سياسية وحقوقية واسعة. وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية وأحزاب معارضة أن القضية تعكس اتجاهاً متزايداً نحو تجريم السخرية والنقد السياسي، بينما تؤكد السلطات أنها تطبق القوانين النافذة لحماية رئيس الجمهورية والقيم الدينية.

