يتناول المحلل السياسي التركي، البروفيسور سدات لاتشينر، في قراءته التحليلية المعمقة، مشهداً دولياً مضطرباً يتقاطع فيه نفوذ المال بالسياسة، حيث يرصد تحولاً جذرياً في بنية السلطة الأمريكية والمؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي “الناتو”، في ظل عودة دونالد ترامب وتأثيراته العميقة على المشهد العالمي.
البيت الأبيض كشركة مساهمة: استثمار النفوذ الرئاسي
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يرى البروفيسور لاتشينر أن دونالد ترامب نجح في تحويل مؤسسة الرئاسة الأمريكية إلى ما يشبه “الشركة المساهمة”، حيث قفزت ثروته بشكل مذهل خلال عامه الرئاسي الأول لتصل أرباحه المعلنة رسمياً إلى نحو مليارين ومائتي مليون دولار.
ويشير لاتشينر إلى أن هذا الثراء الفاحش لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استغلال ممنهج لـ “البرستيج” الرئاسي؛ فالدول والشركات الساعية للتقرب من الإدارة الأمريكية وجدت في الاستثمار في شركات عائلة ترامب أقصر الطرق للوصول.
وضمن هذه الديناميكية المصلحية، يبرز قطاع العملات المشفرة كأحد أهم روافد هذه الثروة الجديدة؛ إذ يوضح لاتشينر أن شركة “ورلد ليبرتي فايننشال” المملوكة لعائلة ترامب شهدت صفقة كبرى باستحواذ شركة استثمارية تابعة للإمارات العربية المتحدة على قرابة نصف أسهمها، وهو ما يراه المحلل طمساً واضحاً للحدود الفاصلة بين السياسة الخارجية والمشاريع الخاصة.
ويضيف لاتشينر أن ترامب، الذي كان يهاجم العملات المشفرة سابقاً ويصفها بأنها ملاذ للمجرمين، أصبح اليوم المروج الأول لها، محققاً مئات الملايين من الدولارات من مبيعات “عملة ترامب الرقمية” التي تضاعفت أرباحها عشر مرات فور توليه السلطة.
تآكل الديمقراطية وسياسة “المقايضة” الدولية
ينبه البروفيسور لاتشينر إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في أن مركز تآكل الديمقراطية في العالم لم يعد في الأنظمة الاستبدادية التقليدية، بل انتقل إلى قلب واشنطن. ويحلل لاتشينر أسلوب ترامب في الحكم بأنه يعتمد على “تطبيع التجاوزات” واستغلال الثغرات الدستورية تحت ذريعة الصلاحيات الرئاسية، وهو ما يمنح دروساً سلبية للأنظمة الأخرى حول العالم.
وفي السياسة الخارجية، يؤكد لاتشينر أن ترامب يفضل التعامل مع “الأنظمة المشكلة” بدلاً من الحلفاء الديمقراطيين التقليديين؛ والسبب في ذلك يعود إلى بساطة منطق “المقايضة” الذي يتبعه: “أعطني هذا وسأمنحك ذاك”.
ويرى المحلل أن هذا النهج أدى إلى تراجع الدور الأخلاقي الأمريكي؛ فتقارير حقوق الإنسان والفساد التي كانت تصدرها الخارجية الأمريكية للضغط على الدول الأخرى، تم تهميشها بقرار من ترامب الذي لا يرى في السياسة الدولية سوى مصالح شخصية ووطنية ضيقة، ما جعل الأنظمة القمعية في آسيا وأفريقيا تحتفي بهذا التحول.
الناتو على حافة الهاوية: محاولات الاحتواء الأوروبية
ينتقل البروفيسور لاتشينر لتحليل الأزمة الوجودية التي يواجهها حلف الناتو، واصفاً إياها بالأعمق منذ تأسيسه عام 1949. ويشير إلى أن ترامب، الذي يتصرف كـ “فيل في متجر للخزف”، يمتلك قناعة راسخة بضرورة تفكيك الحلف أو التخلي عن التزامات أمريكا تجاهه ما لم يدفع الأوروبيون الثمن. ورغم القيود القانونية التي فرضها الكونغرس لمنع سحب القوات (التي لا يقل عددها عن 70 ألف جندي)، إلا أن ترامب قد يلجأ لأساليب ملتوية لتحقيق غرضه.
وفي هذا السياق، يحلل لاتشينر رد الفعل الأوروبي “الذعور”؛ حيث بدأت دول مثل ألمانيا وبولندا وبريطانيا في إعادة تسليح نفسها بمعدلات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، مع توقعات بوصول الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى تريليون دولار خلال العقد القادم.
ويرى المحلل أن القادة الأوروبيين، مثل الأمين العام للناتو مارك روته، يمارسون نوعاً من “التودد السياسي” والرشوة غير المباشرة لترامب، من خلال إظهار أن المشتريات العسكرية الأوروبية من واشنطن، والتي بلغت 300 مليار دولار، تدعم مئات الآلاف من الوظائف داخل أمريكا.
تركيا والمهام الجديدة: بين الفرص الاستراتيجية والمخاطر الإقليمية
يركز البروفيسور لاتشينر على قمة الناتو المرتقبة في أنقرة، معتبراً إياها محطة تاريخية حاسمة. ويرى أن هناك مساعي دولية، خاصة من لندن وواشنطن، لإعادة صياغة دور الناتو ومنح تركيا مهاماً استراتيجية جديدة ومقلقة في آن واحد.
- المحور الأسود: هناك مقترحات لجعل إسطنبول مقراً لقيادة الناتو في البحر الأسود، وهو ما يراه لاتشينر تحدياً مباشراً لاتفاقية “مونترو” ومخاطرة بجر تركيا لصدام مباشر مع روسيا.
- المحور الشرق أوسطي: يتم الحديث عن إنشاء قاعدة قيادة في أضنة لتمتد مهام الناتو إلى الشرق الأوسط (إيران، العراق، سوريا)، وهو ما يضع تركيا في مأزق، خاصة مع توافق سياسات ترامب التام مع الأجندة الإسرائيلية في المنطقة.
ويحذر لاتشينر من أن الإشادات الدولية المكثفة بالجيش التركي ووصفه بـ”الأقوى في الناتو” قد تخفي وراءها رغبة في تحميل أنقرة أعباء عسكرية وأمنية لا ترغب القوى الغربية في تحملها. ومع ذلك، يشير المحلل إلى “فرصة ذهبية” للصناعات الدفاعية التركية؛ ففي ظل عجز أوروبا وأمريكا عن تلبية الطلب الهائل على الذخائر والأسلحة التقليدية (كما أظهرت حرب أوكرانيا)، يمكن لتركيا أن تتحول إلى مركز حيوي لإنتاج وتوريد الأعتدة العسكرية للحلف.
خلاصة
يرى البروفيسور سدات لاتشينر أن العالم يشهد تحولاً من “الدبلوماسية القيمية” إلى “دبلوماسية الصفقات” بقيادة ترامب، مما يضع الناتو في مهب الريح ويفرض على تركيا توازنات دقيقة بين طموحاتها الصناعية ومخاطر الانزلاق في صراعات إقليمية نيابة عن الحلف.

