في خطوة تعكس تطورا مهما في مستوى التعاون العسكري بين الصومال وتركيا، أعلنت وزارة الدفاع الصومالية أن مقاتلات تركية من طراز إف-16 شاركت بصورة مباشرة في تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لحركة الشباب في إقليم شبيلي السفلى، وهو ما يعد من أوضح التصريحات الرسمية التي تؤكد انخراط الطيران الحربي التركي في العمليات القتالية داخل الأراضي الصومالية.
ويحمل هذا الإعلان دلالات سياسية وعسكرية مهمة، إذ ينقل الدور التركي من نطاق التدريب والدعم اللوجستي إلى المشاركة العملياتية المباشرة في الحرب التي تخوضها الحكومة الصومالية ضد التنظيم المسلح المرتبط بتنظيم القاعدة.
عملية مشتركة استهدفت مواقع استراتيجية للحركة
أوضحت وزارة الدفاع الصومالية أن العملية نُفذت بالتنسيق بين القوات المسلحة الصومالية والقوات المسلحة التركية، واستهدفت مواقع تابعة لحركة الشباب في منطقة غودي بإقليم شبيلي السفلى.
وبحسب البيان الرسمي، وفق وسائل إعلام صومالية، شملت الضربات الجوية أهدافا وصفت بأنها ذات أهمية عملياتية بالنسبة للتنظيم، من بينها كهوف تستخدم كمراكز اختباء، ومخازن للأسلحة والذخائر، ومواقع لوجستية ومخابئ يعتمد عليها مقاتلو الحركة.
وأكدت الوزارة أن الضربات جاءت ضمن الحملة العسكرية المستمرة لتقويض البنية العسكرية والتنظيمية للحركة، التي تصنفها الصومال وتركيا وعدد من الدول الغربية منظمة إرهابية بسبب ارتباطها بتنظيم القاعدة.
حصيلة الضربات
في بيان صدر في الثلاثين من يونيو، أعلنت وزارة الدفاع الصومالية أن العملية أسفرت عن مقتل نحو 35 عنصرا من حركة الشباب، وإصابة أكثر من 20 آخرين بجروح خطيرة. غير أن هذه الأرقام لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة من جهات محايدة، وهو ما يبقي الحصيلة المعلنة ضمن الرواية الرسمية للحكومة الصومالية.
تأكيد جديد بعد أشهر من التقارير
يمثل البيان الصادر عن وزارة الدفاع الصومالية تأكيدا رسميا لما تداولته تقارير إعلامية واستخباراتية خلال الأشهر الماضية بشأن نشر تركيا مقاتلات إف-16 في الصومال.
وكان مسؤولون أتراك قد أبلغوا وكالة الصحافة الفرنسية في يناير الماضي أن أنقرة أرسلت بالفعل عددا من هذه الطائرات إلى الصومال، موضحين أن تشغيلها سيكون حصرا بواسطة طيارين وعسكريين أتراك يتمركزون داخل البلاد، وليس من قبل القوات الجوية الصومالية.
وبذلك يتضح أن المهمة التركية لا تقتصر على توفير الطائرات، بل تشمل أيضا تشغيلها وإدارة العمليات الجوية المرتبطة بها.
مؤشرات ميدانية سبقت الإعلان الرسمي
لم يكن الإعلان الأخير أول إشارة إلى وجود المقاتلات التركية في الصومال، إذ سبق أن كشف وزير الدفاع الصومالي في فبراير أن طائرات إف-16 التركية وصلت لدعم العمليات العسكرية ضد حركة الشباب.
وفي الأشهر التالية، شوهدت هذه الطائرات تحلق فوق العاصمة مقديشو، بينما أفادت شركة جينز البريطانية المتخصصة في شؤون الاستخبارات والدفاع بأن ثلاث مقاتلات تركية من هذا الطراز شاركت في الثاني عشر من أبريل في عرض جوي أقيم بمناسبة ذكرى تأسيس القوات المسلحة الوطنية الصومالية.
وقد اعتُبرت تلك المشاركة حينها مؤشرا واضحا على وجود المقاتلات التركية داخل البلاد، قبل أن يأتي البيان الأخير ليؤكد استخدامها في عمليات قتالية فعلية.
قاعدة مقديشو… ركيزة الحضور العسكري التركي
ترتبط هذه التطورات بالحضور العسكري التركي المتنامي في الصومال منذ افتتاح أنقرة أكبر قواعدها العسكرية الخارجية في العاصمة مقديشو عام 2017.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت تركيا إلى أحد أبرز الشركاء الأمنيين للحكومة الصومالية، حيث قدمت برامج تدريب واسعة للقوات المسلحة الصومالية، وتجهيزات ومعدات عسكرية، ودعما فنيا ولوجستيا، ومساعدات اقتصادية وتنموية موازية للتعاون الأمني.
وقد ساهم هذا التعاون في تعزيز قدرات الجيش الصومالي ضمن الجهود الرامية إلى استعادة المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب.
شراكة تتجاوز البعد العسكري
خلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق العلاقات بين أنقرة ومقديشو ليتجاوز التعاون الدفاعي، ليشمل مجالات استراتيجية متعددة، أبرزها أمن السواحل والمجال البحري، والتعاون في قطاع الطاقة، ومشاريع البنية التحتية، والاستثمارات الاقتصادية.
ويعكس هذا التوسع سعي تركيا إلى ترسيخ حضورها في منطقة القرن الإفريقي، التي تمثل إحدى أكثر المناطق أهمية من الناحية الجيوسياسية، نظرا لموقعها على خطوط الملاحة الدولية وقربها من البحر الأحمر وخليج عدن.
الحرب ضد حركة الشباب مستمرة
تواصل الحكومة الصومالية منذ سنوات عملياتها العسكرية ضد حركة الشباب، التي تخوض تمردا مسلحا ضد الدولة، ونفذت عشرات الهجمات الدامية في العاصمة مقديشو ومناطق أخرى، مستهدفة مؤسسات حكومية ومنشآت أمنية ومدنيين.
وأكدت وزارة الدفاع الصومالية في ختام بيانها أن العمليات العسكرية ضد قادة الحركة وعناصرها ستتواصل بوتيرة متصاعدة، معربة عن شكرها للدول الشريكة التي تقدم الدعم العسكري والأمني للصومال في حربه ضد الإرهاب.
دلالات
يكشف الإعلان الصومالي عن انتقال التعاون العسكري مع تركيا إلى مرحلة أكثر تقدما، تقوم على المشاركة المباشرة في العمليات الجوية، وهو تطور يعكس الثقة المتزايدة بين الجانبين، كما يعكس رغبة أنقرة في توسيع دورها الأمني في القرن الإفريقي ضمن استراتيجية تجمع بين النفوذ العسكري والشراكات الاقتصادية.
وفي المقابل، قد يؤدي هذا الانخراط العسكري المباشر إلى تعزيز قدرات الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب، لكنه يضع تركيا أيضا أمام تحديات أكبر تتعلق بإدارة المخاطر الأمنية، واحتمالات تصاعد المواجهة مع التنظيم، فضلا عن مراقبة القوى الإقليمية والدولية لهذا الحضور المتنامي في منطقة ذات أهمية استراتيجية عالمية.
خلاصة
أكدت الحكومة الصومالية رسميا لأول مرة مشاركة مقاتلات إف-16 التركية في تنفيذ غارات ضد مواقع حركة الشباب، بما يمثل تحولا نوعيا في مستوى التعاون العسكري بين البلدين.
ويأتي هذا التطور في سياق توسع الدور التركي في الصومال أمنيا واقتصاديا، بالتزامن مع استمرار العمليات الرامية إلى إضعاف حركة الشباب وتعزيز نفوذ الدولة في المناطق التي تشهد نشاطها.

