تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة التركية عن استمرار الضغوط التي تواجه قطاع الأعمال في البلاد، بعدما أُغلقت أو شُطبت من السجل التجاري 119 ألفاً و178 شركة ومنشأة تجارية خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2022 وحتى نهاية مارس/آذار 2026، في ظل سنوات اتسمت بارتفاع معدلات التضخم، وتشديد السياسة النقدية، وارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين.
وتسلط هذه الأرقام الضوء على التحديات التي تواجهها الشركات، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعد الأكثر تأثراً بتقلبات السوق وارتفاع تكلفة الاقتراض، رغم استمرار تأسيس شركات جديدة خلال الفترة نفسها.
الأرقام الرسمية
وردت هذه البيانات في رد كتابي لوزير التجارة التركي عمر بولاط على استجواب برلماني تقدم به نائب حزب الجيد (İYİ) ياسين أوزتورك، الذي طالب الحكومة بتوضيح ما إذا كانت قد أجرت تقييماً لأسباب الإغلاقات المتزايدة للشركات والمنشآت التجارية.
وأوضح بولاط أن الفترة الممتدة بين الأول من يناير/كانون الثاني 2022 والحادي والثلاثين من مارس/آذار 2026 شهدت تأسيس 540 ألفاً و27 شركة ومنشأة تجارية، في مقابل إغلاق أو شطب 119 ألفاً و178 منشأة من السجل التجاري.
وتشير هذه المعطيات إلى أن أكثر من شركة واحدة خرجت من السوق مقابل كل خمس شركات جديدة تقريباً دخلت النشاط الاقتصادي، إلا أن الوزارة لم تقدم تصنيفاً يوضح الأسباب المباشرة لهذه الإغلاقات، وما إذا كانت ناجمة عن الإفلاس أو تراكم الديون أو ضعف الطلب أو ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج.
سياسة اقتصادية جديدة منذ عام 2023
تأتي هذه الأرقام في ظل التحول الذي شهدته السياسة الاقتصادية التركية منذ مايو/أيار 2023، عندما بدأت الحكومة تطبيق برنامج اقتصادي جديد يقوم على تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة في محاولة لكبح التضخم، بعد سنوات من الارتفاع المتواصل في الأسعار الذي أدى إلى تراجع كبير في القوة الشرائية للأسر التركية.
وفي هذا الإطار، حافظ البنك المركزي التركي في اجتماعه المنعقد في 11 يونيو/حزيران على سعر الفائدة الرئيسي عند 37 بالمئة، بينما بلغ معدل التضخم السنوي الرسمي 32.61 بالمئة خلال شهر مايو/أيار.
ويرى خبراء الاقتصاد أن أسعار الفائدة المرتفعة تسهم في خفض الطلب الاستهلاكي والحد من التضخم، لكنها في المقابل ترفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات، وتجعل إعادة تمويل الديون أو الحصول على سيولة قصيرة الأجل أكثر صعوبة، وهو ما ينعكس بصورة أكبر على المؤسسات الصغيرة التي تعتمد بشكل رئيسي على القروض المصرفية والإيرادات اليومية لتغطية نفقاتها التشغيلية.
الحكومة: الإغلاق لا يعني بالضرورة الفشل الاقتصادي
في المقابل، رفض وزير التجارة اعتبار أرقام الإغلاقات دليلاً مباشراً على تعثر الشركات بسبب الظروف الاقتصادية.
وأوضح أن شطب الشركات من السجل التجاري قد يحدث لأسباب تنظيمية أو قانونية متعددة، من بينها انتهاء إجراءات التصفية، أو عمليات الاندماج، أو تقسيم الشركات، أو تغيير الشكل القانوني للمؤسسة، وليس بالضرورة نتيجة الإفلاس أو الخسائر المالية.
وبذلك تحاول الحكومة الفصل بين مفهوم الإغلاق الإداري أو القانوني وبين الإخفاق الاقتصادي، مؤكدة أن البيانات وحدها لا تكفي للحكم على أسباب خروج الشركات من السوق.
الحرفيون وأصحاب الأعمال الصغيرة… أرقام كبيرة في التسجيل والشطب
وقدمت الوزارة التفسير ذاته فيما يتعلق بالحرفيين وأصحاب المهن والمنشآت العائلية الصغيرة، الذين يشكلون شريحة واسعة من النشاط الاقتصادي المحلي.
وأوضحت أن 588 ألفاً و382 من أصحاب المهن والحرف شُطبوا من السجلات المختصة خلال السنوات الخمس الماضية، في حين تم تسجيل مليون و513 ألفاً و599 شخصاً جديداً خلال الفترة نفسها، ما أسفر عن زيادة صافية بلغت 925 ألفاً و217 مسجلاً.
وأكدت الوزارة أن مغادرة السجل لا تعني بالضرورة التوقف عن النشاط الاقتصادي، إذ قد تكون نتيجة تغيير المهنة، أو الإحالة إلى التقاعد، أو الوفاة، أو الانتقال إلى قطاع اقتصادي مختلف، أو تحول صاحب النشاط إلى فئة التجار الخاضعين لنظام قانوني آخر.
القطاعات الأكثر تأثراً بخروج الأنشطة الاقتصادية
وبحسب بيانات وزارة التجارة، تركزت أعلى معدلات الشطب من السجلات في عدد من القطاعات الحيوية التي تعتمد بصورة كبيرة على الطلب المحلي وحركة الاستهلاك اليومية.
وجاءت قطاعات الأغذية والزراعة في مقدمة الأنشطة التي سجلت أكبر عدد من حالات الخروج، تلتها خدمات النقل، ثم قطاع الملابس والمنتجات الجلدية والمنسوجات والأقمشة المنزلية.
ويعكس هذا التوزيع حجم الضغوط التي تواجه القطاعات المرتبطة مباشرة بالأسواق المحلية، والتي تأثرت بتراجع الاستهلاك وارتفاع تكاليف الإنتاج والتمويل خلال السنوات الأخيرة.
الحكومة تدافع عن برامج التمويل الميسر
ودافع وزير التجارة عن سياسات الحكومة الخاصة بدعم الحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة، مؤكداً أن الدولة واصلت توفير برامج تمويل مدعومة منذ عام 2002.
وأوضح أن إجمالي القروض منخفضة الفائدة أو الخالية من الفائدة التي جرى تقديمها لهذه الفئات بلغ 793.7 مليار ليرة تركية منذ ذلك التاريخ.
وأضاف أن قيمة التمويل الممنوح خلال عام 2025 وحده وصلت إلى 175.8 مليار ليرة، فيما بلغ حجم التمويل خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 نحو 53.9 مليار ليرة.
وترى الحكومة أن هذه البرامج لعبت دوراً في تخفيف آثار التشدد النقدي، والحفاظ على استمرارية عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية رغم الظروف المالية الصعبة.
مؤشرات متباينة في عام 2026
ورغم الضغوط التي يواجهها قطاع الأعمال، تشير بيانات منفصلة صادرة عن اتحاد الغرف والبورصات التركية (TOBB) إلى استمرار النشاط الاستثماري وتأسيس شركات جديدة خلال عام 2026.
فقد ارتفع عدد الشركات المؤسسة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام بنسبة 5.6 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وفي الوقت ذاته، انخفض عدد الشركات التي أغلقت أبوابها بنسبة 8.3 بالمئة على أساس سنوي، وهو ما قد يشير إلى بداية تحسن نسبي في أداء الشركات المسجلة رسمياً.
غير أن الصورة ليست إيجابية بالكامل، إذ ارتفع عدد المنشآت التجارية المملوكة لأشخاص طبيعيين، مثل المؤسسات الفردية، التي أوقفت نشاطها بنسبة 15.8 بالمئة خلال الفترة نفسها، ما يعكس استمرار الضغوط على أصحاب الأعمال الصغيرة الذين يعتمدون بصورة أكبر على الإنفاق الاستهلاكي اليومي والسيولة النقدية المباشرة.
قراءة في المشهد الاقتصادي
تعكس هذه المؤشرات طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها الاقتصاد التركي، حيث تحاول الحكومة تحقيق توازن بين مكافحة التضخم واستعادة الاستقرار النقدي من جهة، والحفاظ على النشاط الإنتاجي وفرص العمل من جهة أخرى.
ورغم أن تشديد السياسة النقدية أسهم في تباطؤ وتيرة التضخم مقارنة بمستويات الذروة التي سجلها خلال السنوات الماضية، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يزيد من أعباء التمويل على الشركات، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد التركي.
كما تشير الأرقام إلى أن الاقتصاد التركي لا يشهد انكماشاً شاملاً، إذ تستمر عملية تأسيس شركات جديدة بوتيرة ملحوظة، إلا أن استمرار خروج عدد كبير من الشركات والمنشآت الصغيرة من السوق يكشف عن تحديات هيكلية تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الطلب المحلي، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وهي عوامل ستظل مؤثرة في أداء الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة ما لم تترافق السياسة النقدية مع إصلاحات هيكلية وبرامج دعم أكثر استهدافاً للقطاع الإنتاجي.
خلاصة
تكشف البيانات الرسمية عن خروج أكثر من 119 ألف شركة ومنشأة تجارية من السوق التركية خلال أربع سنوات، في ظل بيئة اقتصادية اتسمت بارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، بينما تؤكد الحكومة أن جزءاً من هذه الحالات يعود إلى أسباب قانونية وتنظيمية وليس إلى الفشل الاقتصادي وحده. وفي المقابل، تظهر المؤشرات استمرار تأسيس شركات جديدة، ما يعكس اقتصاداً لا يزال نشطاً، لكنه يواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على استدامة الشركات الصغيرة والمتوسطة.

