تستعد العاصمة التركية أنقرة لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” يومي السابع والثامن من يوليو المقبل، وسط أجواء مشحونة بتساؤلات عميقة حول حرية التعبير واستقلالية العمل الصحفي. وبينما يُنتظر أن تشهد القمة إعلانات عن صفقات دفاعية بمليارات الدولارات، يبرز على السطح ملف إقصاء عدد من المنصات الإعلامية التركية المعارضة والمستقلة من تغطية هذا الحدث الدولي البارز، مما أثار موجة من الانتقادات الحقوقية الدولية تجاه الحلف والسلطات المضيفة على حد سواء.
مشهد الإقصاء: منابر إعلامية في مواجهة جدار الصمت الأطلسي
شهدت الأيام القليلة الماضية تطوراً لافتاً تمثل في رفض مكتب الاتصالات الاستراتيجية التابع للناتو طلبات اعتماد مجموعة واسعة من المؤسسات الإعلامية التركية التي تُعرف بخطها التحريري الناقد للحكومة. وشملت قائمة المرفوضين قنوات وصحفاً ووكالات أنباء رائدة، منها “هالك تي في” (Halk TV)، وصحيفة “سوزجو” (Sözcü)، وموقع “نفس” (Nefes)، وصحيفة “بيرغون” (BirGün)، وصحيفة “جمهوريت” (Cumhuriyet)، ووكالة “أنكا” (Anka) للأنباء، بالإضافة إلى منصتي “ميديا سكوب” (Medyascope) و”تي 24″ (T24).
المثير للجدل في هذه القرارات هو غياب المبررات الموضوعية؛ إذ تلقى الصحفيون المرفوضون إخطارات تفيد بأن قرارات الحلف نهائية وغير قابلة للنقاش، دون تقديم أي تفسير لأسباب المنع، رغم أن بعض هؤلاء الصحفيين سبق لهم تغطية قمم سابقة للحلف بكفاءة. هذا الغموض دفع الهيئات الحقوقية إلى التحذير من أن الناتو، بتبنيه لهذا الموقف، قد يوفر غطاءً غير مباشر للممارسات التقييدية التي تفرضها تركيا على الصحافة المحلية.
التحرك الحقوقي الدولي: رسالة عاجلة إلى “مارك روته“
أمام هذا المشهد، بادرت خمس عشرة منظمة دولية ومحلية معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان إلى توجيه رسالة مشتركة للأمين العام للحلف “مارك روته”، تحثه فيها على التدخل الفوري لإلغاء قرارات الحرمان من الاعتماد. ومن بين الموقعين على هذه الرسالة معهد الصحافة الدولي (IPI)، ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”، والاتحاد الدولي للصحفيين، ومنظمة “المادة 19″، إضافة إلى جمعيات صحفية تركية.
أكدت هذه المنظمات أن حرمان وسائل الإعلام المستقلة من التغطية يحرم الجمهورين المحلي والدولي من الحصول على رؤى وتصورات متنوعة ومستقلة حول مجريات القمة، وهو ما يتنافى مع المبادئ الديمقراطية التي يروج لها الحلف. كما أشارت الرسالة إلى أن الاعتماد على تقييمات السلطات التركية يثير مخاوف جدية من أن تكون القرارات قد تأثرت بالتوجهات السياسية أو التحريرية للمؤسسات الإعلامية المستهدفة.
جدلية “تقييم الدولة المضيفة” ورهان الاستقلالية
في محاولة لتوضيح موقف الحلف، صرحت المتحدثة باسم الناتو، أليسون هارت، بأن الحلف يعتمد بشكل أساسي على تقييمات الدول المضيفة للصحفيين المحليين عند عقد القمم خارج مقره الرئيسي. وأضافت أن الحلف على تواصل مع السلطات التركية بشأن قضية الاعتمادات، مؤكدة على أهمية حضور وسائل الإعلام لهذه الفعاليات الكبرى.
من جانبه، أشار برهان الدين دوران، رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، إلى أن عملية الاعتماد تتم من قبل الناتو، بينما تقتصر مهام السلطات التركية على الجوانب اللوجستية مثل توفير مراكز الإعلام ووسائل النقل للفريق المعتمد. ومع ذلك، ترى المنظمات الحقوقية أن هذا التبرير يغفل حقيقة أن “دائرة الاتصال” التركية تعرضت مراراً لانتقادات دولية بسبب استخدامها لبطاقات الصحافة كوسيلة للضغط على الصحفيين المستقلين وتأخير أو إلغاء اعتماداتهم بشكل تعسفي.
السياق القاتم: تراجع الحريات وتصاعد القبضة الأمنية
تأتي هذه الأزمة في سياق تراجع ملحوظ لمؤشرات حرية الصحافة في تركيا؛ حيث احتلت البلاد المرتبة 163 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، متراجعة عن المركز 159 في العام السابق. ويشير الواقع الميداني إلى أن معظم المؤسسات الإعلامية الكبرى باتت مملوكة لشركات مقربة من الحكومة، بينما يواجه الصحفيون المستقلون ملاحقات قضائية وغرامات بث مستمرة .
ولم يقتصر التوتر على الجانب الإعلامي فحسب، بل امتد ليشمل القبضة الأمنية الاستباقية للقمة؛ حيث اعتقلت السلطات التركية مؤخراً 103 أشخاص، بينهم متطوعون بيئيون وصحفي، في عمليات وصفت بأنها تمهيدية لتأمين القمة. هذه التحركات، تزامناً مع حجب منصات مثل إنستغرام ويوتيوب لبعض أعمال البث المباشر لشخصيات معارضة في المنفى، ترسم صورة معقدة لبيئة العمل الإعلامي في البلاد عشية الانعقاد الأطلسي.
اختبار لقيم الحلف في عاصمة “أوراسيا“
إن أزمة الاعتماد الإعلامي لقمة أنقرة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام حلف الناتو بالقيم الديمقراطية التي يتبناها في مواجهة الضرورات الجيوسياسية والتحالفات الاستراتيجية مع الدولة المضيفة. إن استسلام الحلف لتقييمات أمنية قد تكون مسيسة يضعف من صدقية خطابه حول حماية الحريات. وفي ظل استهداف مؤسسات إعلامية تاريخية ووازنة، يبدو أن القمة ستنعقد في بيئة يسودها “الصوت الواحد” محلياً، مما يطرح تحدياً أمام المجتمع الدولي في كيفية الموازنة بين المصالح الدفاعية وحماية التعددية الإعلامية التي تمثل جوهر الديمقراطية.
خلاصة
تواجه قمة الناتو في أنقرة تحدي المصداقية الحقوقية بعد إقصاء منصات إعلامية مستقلة، وسط تحذيرات دولية من تحول الحلف إلى أداة لتعزيز التضييق التركي على حرية الصحافة. إن بقاء قرارات الاعتماد مرهونة برغبات الدولة المضيفة يهدد بحرمان الرأي العام من تغطية موضوعية لحدث عالمي يمس الأمن والاستقرار الدوليين.

