أبلغت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس رسمياً بعزمها المضي قدماً في صفقة لتصدير عشرات المحركات النفاثة إلى تركيا، في خطوة تُعد من أبرز التطورات في مسار التعاون الدفاعي بين البلدين منذ اندلاع أزمة منظومة الصواريخ الروسية «إس-400».
وتبلغ القيمة التقديرية للصفقة أكثر من 700 مليون دولار، وتشمل محركات من إنتاج شركة جنرال إلكتريك الأمريكية، يُنتظر استخدامها في برنامج المقاتلة التركية المحلية «قآن»، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية للصناعات الدفاعية التركية.
دعم أمريكي لمشروع «قآن» رغم الخلافات السابقة
تسعى أنقرة منذ إطلاق مشروع «قآن» عام 2016 إلى تطوير أول مقاتلة شبح محلية، ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليص الاعتماد على موردي السلاح الأجانب وتعزيز الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية.
ومن المتوقع أن تشكل المحركات الأمريكية أحد العناصر الأساسية في المراحل الأولى من تطوير وإنتاج الطائرة، إلى حين استكمال البرامج التركية الخاصة بتطوير محركات محلية مستقبلاً.
وتُعد الصفقة، في حال إتمامها، دعماً تقنياً مهماً للمشروع، الذي تنظر إليه تركيا باعتباره حجر الأساس في تحديث قواتها الجوية خلال العقود المقبلة.
وزارة الخارجية الأمريكية: الصفقة خضعت لتقييم شامل
وبحسب الإخطار الرسمي الذي أرسلته وزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونغرس بتاريخ 24 يونيو/حزيران، فإن الإدارة الأمريكية توصلت إلى استعدادها للموافقة على تصدير المحركات بعد مراجعة مجموعة واسعة من الاعتبارات.
وشملت عملية التقييم الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، إضافة إلى ملفات حقوق الإنسان وضوابط تصدير الأسلحة، في إطار الإجراءات القانونية المنظمة لصفقات التسليح الأمريكية.
ويعكس هذا الإخطار انتقال الصفقة إلى مرحلة رسمية، مع منح الكونغرس مهلة قانونية لمراجعتها قبل دخولها حيز التنفيذ.
مهلة قانونية أمام الكونغرس لعرقلة الصفقة
يمنح القانون الأمريكي أعضاء الكونغرس خمسة عشر يوماً لتقديم مشروع قرار مشترك يرفض الصفقة إذا توفرت أغلبية سياسية لذلك.
لكن حتى في حال إقرار مثل هذا المشروع داخل مجلسي النواب والشيوخ، فإن الرئيس الأمريكي يحتفظ بصلاحية استخدام حق النقض (الفيتو)، ما يجعل إيقاف الصفقة أمراً معقداً سياسياً وتشريعياً.
اعتراضات ديمقراطية تتجدد بسبب أزمة «إس-400»
ورغم تقدم الصفقة، لا تزال تواجه معارضة من عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي، الذين يرون أن العلاقات الدفاعية مع تركيا ينبغي أن تبقى مقيدة طالما احتفظت أنقرة بمنظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400».
وكان النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، قد اعترض خلال مرحلة المراجعة غير الرسمية على الصفقة، مؤكداً أنه لم يمنح موافقته عليها.
واتهم ميكس الإدارة الأمريكية بعدم إجراء مشاورات جادة معه، معتبراً أنها لم تقدم توضيحات كافية بشأن انعكاسات الصفقة على العلاقات الأمريكية التركية، ولا على مستقبل ملف «إس-400».
كما أشار إلى أن المحركات لن تُسلَّم خلال فترة قريبة، منتقداً تجاهل الإدارة المتكرر لطلباته المتعلقة بالحصول على معلومات إضافية حول السياسة الأمريكية تجاه تركيا.
أزمة «إس-400» ما زالت تلقي بظلالها
تعود جذور الأزمة إلى عام 2019 عندما تسلمت تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، وهو القرار الذي اعتبرته واشنطن تهديداً مباشراً لأمن التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، ولا سيما مقاتلات «إف-35».
وترى الولايات المتحدة أن تشغيل المنظومة الروسية بالتوازي مع المقاتلات الأمريكية قد يسمح بجمع معلومات تقنية حساسة حول خصائص الطائرة الشبح، الأمر الذي دفعها إلى فرض عقوبات على تركيا واستبعادها من برنامج إنتاج وشراء مقاتلات «إف-35».
كما أقر الكونغرس تشريعاً يمنع إعادة تركيا إلى البرنامج طالما بقيت منظومة «إس-400» في الخدمة.
ترامب يلمح إلى خطوات ترضي أنقرة
وفي تصريحات أدلى بها الأربعاء، وعند سؤاله عن صفقة المحركات ومستقبل برنامج «إف-35» وخططه لحضور قمة حلف شمال الأطلسي المرتقبة في أنقرة الشهر المقبل، قال الرئيس دونالد ترامب إنه “من المرجح أن يقوم بشيء سيجعل الأتراك سعداء”.
وأثارت هذه التصريحات تكهنات بشأن احتمال سعي الإدارة الأمريكية إلى تخفيف التوتر مع أنقرة، خصوصاً في ظل أهمية تركيا داخل حلف الناتو والتحديات الأمنية المتزايدة في أوروبا والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن المضي في صفقة المحركات يمثل رسالة سياسية إيجابية تجاه الرئيس رجب طيب أردوغان قبل القمة المرتقبة، ويعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على قنوات التعاون مع أحد أهم حلفائها الإقليميين.
رفض متواصل لأي عودة إلى برنامج «إف-35»
في المقابل، شدد عدد من النواب الديمقراطيين على رفضهم أي خطوات قد تفتح الباب أمام إعادة تركيا إلى برنامج «إف-35».
وقال النائب كريس باباس إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكافئ حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، على حد تعبيره، بينما تستمر الخلافات المتعلقة بالقوانين الأمريكية وبالعلاقات مع حلفاء واشنطن.
وأكد موقفه الرافض بصورة قاطعة لعودة تركيا إلى برنامج المقاتلة الأمريكية.
كما أعلنت النائبة دينا تايتوس أنها تعتزم تقديم مشروع قرار رسمي داخل الكونغرس لرفض صفقة المحركات إذا واصلت إدارة ترامب إجراءاتها الحالية.
قراءة في دلالات الصفقة
تعكس هذه الخطوة محاولة أمريكية لتحقيق توازن دقيق بين الاعتبارات الاستراتيجية والخلافات السياسية.
فمن جهة، لا تزال تركيا تمثل ركناً أساسياً في البنية الدفاعية لحلف شمال الأطلسي، كما أن برنامج «قآن» يفتح فرصاً جديدة للتعاون الصناعي والعسكري بين البلدين.
ومن جهة أخرى، ما تزال أزمة «إس-400» تمثل العقبة الرئيسية أمام استعادة العلاقات الدفاعية إلى مستواها السابق، وهو ما يجعل أي تقارب مستقبلي مرهوناً بإيجاد صيغة توازن بين المصالح الأمنية الأمريكية ومتطلبات السياسة الدفاعية التركية.
كما تشير التطورات الأخيرة إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى تعزيز التعاون مع أنقرة في ملفات الصناعات الدفاعية دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء القيود المفروضة على برنامج «إف-35»، الأمر الذي يبقي مستقبل العلاقات العسكرية بين البلدين مفتوحاً على عدة سيناريوهات.
خلاصة
أخطرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس رسمياً بعزمها بيع محركات نفاثة لتركيا بقيمة تتجاوز 700 مليون دولار لدعم مشروع المقاتلة المحلية «قآن»، رغم استمرار الاعتراضات داخل الكونغرس بسبب أزمة منظومة «إس-400».
وتعكس الصفقة اتجاهاً نحو إعادة تنشيط التعاون الدفاعي بين واشنطن وأنقرة، لكنها لا تنهي الخلافات العميقة التي ما زالت تحول دون عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف-35».

