تتصاعد في أروقة مجلس أوروبا نبرة التحذير من مغبة استمرار تركيا في تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث اعتبر برلمانيون أوروبيون أن هذا النهج لا يقوض العدالة داخل تركيا فحسب، بل يمثل تهديداً وجودياً لمصداقية المنظومة الحقوقية الأوروبية بأكملها.
وفي فعالية برلمانية عُقدت مؤخراً في ستراسبورغ تحت عنوان “تركيا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان”، شدد المشاركون على أن التقاعس عن اتخاذ إجراءات حازمة يرسل رسالة خاطئة حول جدية التزامات الدول الأعضاء.
توجه نحو العقوبات الفردية “نموذج ماجنيتسكي“
كشفت النقاشات التي استضافها النائب البريطاني “سير كريستوفر شوب” عن تحول محتمل في إستراتيجية التعامل مع أنقرة، فبدلاً من الاكتفاء بالتنديد المؤسساتي، برزت مقترحات لتبني عقوبات على غرار “قانون ماجنيتسكي”. هذه العقوبات المقترحة تهدف إلى استهداف الأفراد المتورطين بشكل مباشر في الانتهاكات، بما يشمل وزراء وقضاة ومدعين عامين، بالإضافة إلى الأوصياء القانونيين (القيمين) الذين ساهموا في عرقلة تنفيذ أحكام القضاء الدولي.
ويأتي هذا التوجه نتيجة قناعة متزايدة بأن العقوبات الموجهة للأشخاص قد تكون أكثر فاعلية في تغيير السلوك السياسي والقضائي من الضغوط الدبلوماسية التقليدية.
قضايا رمزية وخرق منهجي للعدالة
يركز النقد الأوروبي على رفض تركيا المتكرر لإطلاق سراح شخصيات بارزة مثل الناشط المدني “عثمان كافالا” والسياسي الكردي “صلاح الدين دميرتاش” و”فيجين يوكسكداغ شين أوغلو”، رغم صدور أحكام صريحة من المحكمة الأوروبية تقضي ببطلان سجنهم وتؤكد وجود دوافع سياسية وراء احتجازهم. ولا تقتصر الأزمة على هذه الأسماء اللامعة، بل تمتد لتشمل آلاف المواطنين المتهمين بالارتباط بحركة “الخدمة”، والذين واجهوا ملاحقات قضائية واسعة النطاق منذ تحقيقات الفساد في عام ٢٠١٣، والتي طالت دائرة مقربة من الرئاسة التركية.
إحصائيات قضائية مثيرة للقلق
تشير البيانات الصادرة عن وزارة العدل التركية إلى حجم الملاحقات الهائل، حيث أُدين أكثر من ١٢٦ ألف شخص منذ عام ٢٠١٦ بتهمة الانتماء للحركة المذكورة، ولا يزال نحو ١١ ألفاً منهم خلف القضبان. كما تكشف التقارير عن وجود ٥٨ ألف شخص قيد التحقيق المستمر منذ ما يقرب من عقد من الزمان، بينما تستمر محاكمات ٢٤ ألفاً آخرين. هذا المشهد القضائي المكتظ يعكس، حسب رؤية المقرر الأوروبي “كونستانتينوس إفستاثيو”، تجاهلا نظامياً من المحاكم المحلية التركية لاجتهادات وقرارات القضاء الأوروبي.
التحديات الجيوسياسية ومخاطر العزل
تواجه مؤسسات مجلس أوروبا معضلة في التعامل مع أنقرة؛ فمن جهة، يبرز خيار الطرد من المجلس كأداة أخيرة، وهو ما حدث مع روسيا عقب غزوها لأوكرانيا في عام ٢٠٢٢. ومن جهة أخرى، تبدي بعض الدول الأعضاء تردداً في المضي بهذا المسار نظراً للمكانة الجيوسياسية لتركيا، خاصة دورها المحوري في حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ومع ذلك، يرى “سير كريستوفر شوب” أن الهدف ليس حرمان المواطنين الأتراك من الوصول إلى العدالة الأوروبية، بل التأكيد على أن لعدم الامتثال عواقب وخيمة لا يمكن التغاضي عنها.
السجل القضائي والحلول الهيكلية
تتصدر تركيا قائمة الدول الأعضاء في مجلس أوروبا من حيث عدد “القضايا الرائدة” التي تنتظر التنفيذ، بواقع ١٣٧ قضية حتى نهاية عام ٢٠٢٤. وتُعرف هذه القضايا بأنها تلك التي تكشف عن ثغرات هيكلية في القوانين أو الممارسات الوطنية وتتطلب تغييرات تشريعية أو إدارية جذرية لمنع تكرار الانتهاكات. ويؤكد الخبراء القانونيون أن المعيار الحقيقي للامتثال ليس مجرد دفع التعويضات المالية، بل في تنفيذ هذه الإصلاحات الهيكلية التي تضمن استقلال القضاء وحماية الحقوق السياسية والمدنية.
خلاصة
يتحرك مجلس أوروبا نحو فرض عقوبات فردية على مسؤولين أتراك رداً على تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية، في خطوة تهدف لحماية مصداقية المنظومة القانونية القارية من الانهيار.

