يرسم مصطفى أوكوموش، رئيس الشرطة السابق والخبير في ملفات الجريمة المنظمة والأحداث الأمنية الحساسة في جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية، مشهداً معقداً للصراع الدائر في أروقة الاستخبارات التركية، معتبراً أن التحركات الأخيرة لرئيس جهاز الاستخبارات الحالي، إبراهيم كالين، تمثل عملية تفكيك ممنهجة لتركة سلفه، وزير الخارجية الحالي هاكان فيدان. ويرى أوكوموش أن هذه المواجهة تتجاوز مجرد تغيير الأدوار لتصل إلى كشف ملفات “قذرة” ظلت طي الكتمان لسنوات، مما يضع فيدان في موقف الدفاع أمام اتهامات ضمنية بالخيانة أو التقصير المتعمد.
قضية أوندر سيغيرجي أوغلو: مفتاح كشف المستور
يشكل القبض على موظف الاستخبارات السابق، أوندر سيغيرجي أوغلو، حجر الزاوية في تحليل أوكوموش للمشهد الحالي. ففي عام 2011، قام سيغيرجي أوغلو باختطاف قائدين منشقين من الجيش السوري المنتظم، هما حسين حرموش ومصطفى قسوم، اللذين لجآ إلى تركيا لتأسيس “الجيش السوري الحر”. ووفقاً لأوكوموش، فإن العملية تمت عبر استدراج القائدين إلى سيارة تابعة للاستخبارات التركية بحجة عقد اجتماع، ليتم تسليمهما لاحقاً لنظام الأسد في عملية شملت تنسيقاً مشبوهاً ومظاهر احتفالية من الجانب السوري، وانتهت بإعدامهما.
ويشير أوكوموش، في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، إلى أن القضاء التركي كان قد حكم على سيغيرجي أوغلو بالسجن لمدة عشرين عاماً، إلا أن “يداً خفية” تدخلت في عام 2014 لتسهيل فراره من السجن عبر تلاعب قانوني في حساب مدة العقوبة، حيث مُنح إذناً بالخروج لعشر ساعات ولم يعد بعدها. وبقي الرجل متوارياً عن الأنظار لسنوات حتى نجح إبراهيم كالين مؤخراً في استعادته من الحدود السورية اللبنانية، ليوجه إليه الادعاء العام في أنقرة تهم الخيانة الوطنية والتجسس، وسط مطالبة بسجنه لمدة 35 عاماً.
صراع الأجنحة: كالين في مواجهة “دولة فيدان” العميقة
يرى أوكوموش أن عمليات كالين لا تتوقف عند سيغيرجي أوغلو، بل تمتد لتطال جنرالات ومسؤولين ارتبطت أسماؤهم بفترة فيدان. ومن أبرز هذه العمليات:
- إلقاء القبض على الجنرال بلال جوكاي، الذي استغل سيارته الرسمية لتهريب البشر من سوريا إلى تركيا، وهو ما اعتبره أوكوموش ضربة مباشرة لشبكات المصالح التي تشكلت في الشمال السوري.
- تحجيم دور قادة عسكريين آخرين مثل مصطفى بويوك كوروغلو، مما يعكس رغبة كالين في تنظيف الجهاز من العناصر المتورطة في أنشطة غير قانونية.
- تسليط الضوء على دور شخصيات استخباراتية نافذة مثل صباح الدين أسال (الذي يوصف بأنه “استخبارات داخل الاستخبارات) ونوح يلماز، الذراع اليمنى لفيدان، واتهامهما بإدارة عمليات إعلامية وتنسيق مع شخصيات إعلامية مثيرة للجدل.
الشمال السوري: إقطاعيات الجريمة والتحالفات السياسية
يفصل أوكوموش في تحليله كيف أدى إضعاف الجيش السوري الحر المنظم -بسبب عمليات الاختطاف المذكورة- إلى نشوء “جيوب إجرامية” في الشمال السوري تهيمن عليها عشائر مسلحة ومنظمات مثل شركة سادات (SADAT) الأمنية. ويؤكد أن هذه المناطق تحولت إلى مراكز لتجارة المخدرات على يد عناصر محسوبة على التيار القومي (منظمة الذئاب الرمادية) وتهريب البشر وتجنيد المرتزقة للقتال في ليبيا وأذربيجان وأفريقيا.
ويربط أوكوموش هذه الشبكات الإجرامية بأسماء سياسية بارزة في الداخل التركي، مشيراً إلى صور جمعت قادة فصائل مثل فهيم عيسى وسيف بولات ومحمد الجاسم مع زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، والوزير السابق سليمان صويلو، والزعيم المافيوي علاء الدين شاكيجي. هذا التحالف، حسب رؤيته، خلق نظاماً اقتصادياً غير شرعي تقدر عوائده السنوية بنحو ثلاثة مليارات دولار.
الدلالات السياسية والسياق الأخير
يعتقد أوكوموش أن التوتر بين إبراهيم كالين وهاكان فيدان يعكس تصدعاً في التحالف الحاكم بين أردوغان وبهجلي. فبينما يبني كالن “جداراً” حول فيدان عبر كشف ملفات قديمة، يظهر بهجلي دعماً علنياً لرموز مرتبطة بالحقبة السابقة، كما حدث في ظهوره الأخير مع قيادات أمنية.
وفي سياق التطورات الأخيرة، يستشهد أوكوموش بحادثة وقعت في دمشق خلال ديسمبر 2025، حيث قُطعت الكلمة عن هاكان فيدان أثناء مؤتمر صحفي، معتبراً ذلك رسالة واضحة من النظام السوري مفادها أن أفعال فيدان السابقة ليست منسية، وهو ما يصب في مصلحة الرواية التي يحاول كالين ترسيخها حول “تركة فيدان” المثقلة بالأزمات.
خلاصة
تجسد تحركات إبراهيم كالين الأخيرة محاولة جادة لتفكيك شبكات النفوذ والفساد التي تشكلت في عهد هاكان فيدان، مما يكشف عن صراع عميق داخل بنية الدولة التركية يمتد من أروقة الاستخبارات إلى ساحات القتال في الشمال السوري.

