تتجه الأنظار إلى قمة حلف شمال الأطلسي المرتقبة في أنقرة، وسط تقارير تفيد باحتمال مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة قد تمثل تحولًا لافتًا في موقع سوريا داخل التوازنات الدولية.
وبحسب مصادر إعلامية نقلت عن مسؤول سوري، فإن حضور الشرع بات مرجحًا، في حين لا يزال قرار عقد لقاء ثنائي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قيد البحث دون حسم نهائي.
ورغم تأكيد وكالة الأناضول توجيه دعوة رسمية للشرع، فإن برنامجه النهائي لم يُعتمد بعد، ما يعكس حساسية المشاركة السورية في إطار لم يعلن الحلف رسميًا حتى الآن عن إدراجها ضمن جدول أعماله.
تفاصيل القمة وأهميتها الاستراتيجية
من المقرر أن تُعقد القمة يومي السابع والثامن من يوليو في المجمع الرئاسي “بيشتبه” في أنقرة، برئاسة الأمين العام للناتو مارك روته، وبمشاركة قادة الدول الأعضاء البالغ عددها اثنتين وثلاثين دولة. وتكتسب القمة أهمية خاصة في ظل التحديات الداخلية التي يواجهها الحلف، لا سيما الخلافات حول السياسات الأميركية تجاه إيران.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وصف القمة بأنها قد تكون من بين الأهم في تاريخ الحلف، نظرًا للحاجة الملحة لمعالجة التباينات بين أعضائه. كما أكد أن ترامب سيحضر القمة، رغم التوترات القائمة داخل الناتو.
لقاء محتمل بين ترامب والشرع
إحدى النقاط الأكثر إثارة للاهتمام تتمثل في احتمال عقد لقاء بين ترامب والشرع على هامش القمة. ورغم عدم صدور قرار نهائي، فإن مصادر متعددة أكدت أن الفكرة مطروحة للنقاش.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة الأناضول عن مسؤول في البيت الأبيض أن زيارة منفصلة للشرع إلى واشنطن ليست مطروحة حاليًا، مع التأكيد على وجود قناة تواصل مباشرة وعلاقة “قوية” بين الرئيسين، بما يسمح بالتنسيق عند الحاجة.
خلفية التحول في العلاقات الأميركية السورية
يأتي هذا الانفتاح النسبي في العلاقات بعد التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر ألفين وأربعة وعشرين، منهيةً عقودًا من حكم عائلته.
وفي يناير من العام التالي، تم تعيين أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا، بعد أن كان يقود هيئة تحرير الشام، وهي جماعة إسلامية كانت لها صلات سابقة بتنظيم القاعدة. ومنذ توليه السلطة، سعى الشرع إلى إعادة تأهيل موقع سوريا دوليًا، عبر طلب رفع العقوبات، وبناء شراكات أمنية، وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وقد بلغ هذا المسار ذروته بلقاء جمعه مع ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر ألفين وخمسة وعشرين، في زيارة تاريخية هي الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال البلاد. وخلال تلك الزيارة، أعلنت دمشق انضمامها إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، مع تأكيدها عدم المشاركة في العمليات العسكرية المباشرة.
الدور التركي وتعقيدات الملف الكردي
تُعد تركيا أحد أبرز الفاعلين الخارجيين في سوريا ما بعد الأسد، حيث دعمت فصائل المعارضة خلال الحرب، ولا تزال تؤدي دورًا محوريًا في دعم السلطة الجديدة في دمشق.
وفي المقابل، تضغط أنقرة على الحكومة السورية لاتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها مجموعات كردية وتُعد حليفًا للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم الدولة. وتعتبر تركيا هذه القوات امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، المصنف لديها ولدى حلفائها الغربيين كمنظمة إرهابية، ما يضع واشنطن وأنقرة في موقع تضارب استراتيجي داخل الساحة السورية.
أبعاد إقليمية أوسع للقمة
تسعى تركيا من خلال استضافة القمة إلى تسليط الضوء على الجناح الجنوبي للناتو، بما يشمل ملفات سوريا وإيران وشرق المتوسط، إضافة إلى تداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
وفي هذا الإطار، أشارت تقارير إلى رغبة أنقرة في توسيع نطاق الحضور ليشمل قادة من دول عربية، إلى جانب الرئيس السوري، بهدف منح الحكومة السورية الجديدة شرعية دولية متزايدة، وإيصال رسائل سياسية إقليمية، خصوصًا إلى إسرائيل. غير أن هذه الخطوة واجهت تحفظات من بعض دول الحلف.
مشاركة محتملة في قمة السبع
بالتوازي مع قمة الناتو، تلقى الشرع دعوة لحضور قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، والتي تُعقد بين الخامس عشر والسابع عشر من يونيو. إلا أن مشاركته لم تُحسم بعد، رغم تقارير سابقة رجحت أن تكون هذه أول مشاركة سورية في هذا المحفل الدولي.
سوريا بين إعادة التأهيل والتوازنات المعقدة
تعكس الدعوة المحتملة للشرع إلى قمة الناتو تحولًا تدريجيًا في النظرة الدولية إلى سوريا، من دولة معزولة إلى فاعل قيد إعادة الدمج. غير أن هذا التحول لا يزال محفوفًا بالتحديات، خاصة في ظل الإرث السياسي والأمني للقيادة الجديدة، والتباينات داخل المعسكر الغربي نفسه.
كما أن أي لقاء محتمل بين ترامب والشرع سيحمل دلالات تتجاوز البعد الثنائي، ليؤشر إلى إعادة صياغة محتملة لمقاربة واشنطن تجاه دمشق، في سياق أوسع يشمل إيران وروسيا وتوازنات الشرق الأوسط.
في المقابل، تبقى تركيا لاعبًا محوريًا يسعى لاستثمار هذه اللحظة لتعزيز موقعه داخل الناتو، وربط الملفات الإقليمية بأجندة الحلف، بما يخدم أولوياته الأمنية والاستراتيجية.
خلاصة
تشير التحركات الجارية إلى انفتاح حذر على دمشق ضمن ترتيبات دولية جديدة، دون حسم نهائي لمسار إعادة التأهيل. وتبقى قمة أنقرة اختبارًا لتوازن دقيق بين المصالح الأمنية والتحولات السياسية في الشرق الأوسط.

