في تطور لافت ضمن واحدة من أكبر القضايا القضائية المرتبطة ببلدية إسطنبول، قدّمت مسؤولة سابقة رواية مفصلة أمام المحكمة تتضمن اتهامات خطيرة بسوء المعاملة خلال الاحتجاز، ما أعاد تسليط الضوء على أوضاع العدالة والإجراءات الأمنية في القضايا ذات الطابع السياسي.
سياق القضية: محاكمة موسعة في قلب الصراع السياسي
تأتي هذه الشهادة ضمن محاكمة تضم مئات المتهمين، من بينهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان. وتؤكد السلطات أن القضية تتعلق بشبهات فساد تشمل الرشوة والاحتيال والانتماء إلى تنظيم إجرامي، في حين تصفها المعارضة بأنها ذات دوافع سياسية.
وكانت فاطوش بينار توركر، المديرة العامة السابقة لشركة “ميديا” التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى، قد أُوقفت في 19 مارس 2025 ضمن حملة اعتقالات واسعة طالت أكثر من مئة شخص، قبل أن تُودع الحبس الاحتياطي حيث لا تزال محتجزة حتى الآن.
من المداهمة إلى الاحتجاز: رواية تفصيلية للأحداث
خلال شهادتها أمام المحكمة الجنائية العليا في سيليفري، عرضت توركر تسلسلاً زمنياً دقيقاً للأحداث التي رافقت توقيفها.
أفادت بأن قوة من الشرطة داهمت منزلها فجراً، في حدود الساعة الخامسة والنصف إلى السادسة صباحاً، بينما كانت برفقة طفلتيها. وتمكنت قبل دخول الشرطة من الاتصال بمحاميها، إلا أن الضباط صادروا هاتفها فور دخولهم وفرضوا قيوداً صارمة على الحركة داخل المنزل.
ووفق روايتها، مُنعت من تقديم أبسط أشكال الرعاية لطفلتيها، بما في ذلك إعطاؤهما الماء قبل التوجه إلى المدرسة، في حين ظل الأطفال في حالة بكاء وخوف. وأشارت إلى أن أحد عناصر الشرطة أجاب على استفسارها بشأن طبيعة التحقيق بالقول إنهم من قسم “الجرائم الجنائية الخطيرة”، ما زاد من حالة الذعر داخل المنزل.
التفتيش الجسدي والاحتجاز: اتهامات بانتهاك الكرامة
بعد نقلها إلى مقر الشرطة، قالت توركر إنها فقدت الإحساس بالزمن داخل مرافق الاحتجاز، قبل أن تتعرض لما وصفته بتفتيش جسدي مهين.
وذكرت أن شرطية اقتادتها إلى غرفة صغيرة وأمرتها بخلع ملابسها بالكامل، ثم طلبت منها اتخاذ أوضاع جسدية اعتبرتها مهينة، بما في ذلك الانحناء وكشف جسدها بشكل كامل. وأضافت أنها علمت لاحقاً أن إجراءات التفتيش اختلفت بين المحتجزين، إلا أن ما تعرضت له كان، بحسب وصفها، صادماً وغير مبرر.
من الاحتجاز إلى السجن: العزل والضغوط
عقب نقلها إلى سجن مرمرة في سيليفري، أفادت بأنها أُبلغت في البداية بأنها ستتقاسم زنزانة مع عدد من السجينات، غير أن قراراً لاحقاً، قالت إنه صدر عن وزارة العدل، أدى إلى وضعها في الحبس الانفرادي.
كما كشفت عن ضغوط إضافية مورست عليها بعد توقيفها، حيث قالت إن مدعياً عاماً حاول إقناعها بالتعاون كمخبرة، ملوحاً بإمكانية تخفيف وضعها القانوني.
التهديد بالأطفال والممتلكات: ذروة الاتهامات
أخطر ما ورد في شهادتها تمثل في لقاء عبر تقنية الاتصال المرئي مع المدعي العام، حيث قالت إنه وبّخها لعدم “التعاون”، وألمح إلى أنها كانت ستُفرج عنها لو أدلت بإفادة مختلفة في وقت سابق.
وعندما أصرت على حقها في استشارة محاميها، قالت إن المدعي رد بغضب، ووجّه لها تهديداً مباشراً يتعلق بحضانة أطفالها، مشيراً إلى إمكانية تدخل خدمات الرعاية الاجتماعية لسحبهم منها.
كما ذكرت أنها تعرضت لتهديدات بمصادرة ممتلكاتها في حال لم تستجب للضغوط خلال مهلة زمنية محددة.
الأثر الإنساني: شهادة مشحونة بالعاطفة
خلال الجلسة، تأثرت توركر بشكل واضح وهي تتحدث عن انعكاسات احتجازها على أسرتها، مؤكدة أنها كانت تعيل طفلتيها بمفردها. واختتمت شهادتها بتساؤلات ذات طابع إنساني حول دوافع ما اعتبرته قسوة غير مبررة، قبل أن تصرّح بأنها لا تسامح من تعاملوا معها بهذه الطريقة.
ردود الفعل: مطالب بالتحقيق وتدويل النقاش
أثارت الشهادة ردود فعل سياسية وحقوقية سريعة؛ فقد دعا أكرم إمام أوغلو إلى فتح تحقيق في هذه الادعاءات، مؤكداً ضرورة محاسبة المسؤولين في حال ثبوتها.
كما تقدم النائب المستقل مصطفى ينر أوغلو بأسئلة برلمانية إلى وزارة الداخلية، مطالباً بتحقيق عاجل، واصفاً الشهادة بأنها صادمة، ومشدداً على أن أي معاملة تنتهك الكرامة الإنسانية لا يمكن تبريرها.
البعد الدولي: اختبار لصورة تركيا أمام حلفائها
تزامنت هذه التطورات مع استعداد تركيا لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي، ما أضفى بعداً دولياً على القضية. وبرزت دعوات لزعماء الدول المشاركة للاطلاع على هذه الشهادة باعتبارها مؤشراً على واقع النظام القضائي، في ظل الخطاب الرسمي حول الديمقراطية وسيادة القانون.
بين الاتهام الجنائي وسؤال العدالة
تكشف هذه القضية عن تقاطع معقد بين مسار قضائي يتناول اتهامات فساد واسعة، ومسار سياسي يعكس احتدام التنافس بين السلطة والمعارضة.
فالادعاءات المتعلقة بالتفتيش العاري المهين والتهديدات، إن ثبتت صحتها، تمس جوهر معايير العدالة والإجراءات القانونية، بينما يثير حجم القضية وطبيعة المتهمين تساؤلات حول حدود التسييس في عمل المؤسسات القضائية.
كما تعيد هذه الشهادة إلى الواجهة تقارير سابقة لمنظمات حقوقية تحدثت عن أنماط متكررة من الضغوط وسوء المعاملة في القضايا الحساسة، ما يعزز الجدل حول الحاجة إلى رقابة أكثر صرامة على إجراءات إنفاذ القانون.
رغم خطورة هذه الادعاءات لكن لم يصدر حتى اللحظة أي بيان رسمي حول الموضوع، كما لم تأت أنباء عن توجه وزارة الداخلية إلى فتح تحقيق حول أفراد الشرطة المتورطين في هذه الانتهاكات.
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي التركي لَفَنْدْ غُولْتَكِينْ التفتيش العاري في مركز الأمن وضغوط المدعي العام على مسؤولة بلدية إسطنبول وصمة عار لحكومة تدعي أنها ذات توجه إسلامي، مطالبا بفتح تحقيق عاجل بحق أفراد الشرطة المتورطين في هذه الانتهاكات، وتحقيق إداري حول المدعي العام المعني.
خلاصة
شهادة توركر تسلط الضوء على اتهامات خطيرة تمس نزاهة الإجراءات القضائية في تركيا، في سياق قضية ذات أبعاد سياسية حساسة. التفاعل الداخلي والدولي مع هذه المزاعم قد يحوّلها إلى اختبار حقيقي لمصداقية معايير العدالة وسيادة القانون.

