يرسم المحلل السياسي التركي جوهري جوفين، الذي يحظى بمتابعة واسعة تناهز المليون مشترك عبر يوتيوب رغم القيود المفروضة على حسابه داخل تركيا، مشهدًا قاتمًا لمستقبل التوازنات السياسية والاجتماعية في البلاد، معتبرًا أن الدولة تقف حاليًا على أعتاب انكسار تاريخي كبير يتم التحضير له بدقة متناهية. ويرى جوفين أن نظام رجب طيب أردوغان، في سعيه لتثبيت دعائم حكم الفرد والانتقال نحو نظام “ملكي” وراثي يمهد الطريق لنجله بلال، يعمد إلى تنفيذ استراتيجية تهدف إلى شل حركتي المقاومة الاجتماعية الأبرز في تركيا: العلويين والأكراد.
عقيدة “التحليل الأمني” وإرث احتجاجات “جيزي بارك“
يؤكد جوفين أن نقطة التحول الجوهرية في عقلية النظام بدأت عقب احتجاجات “جيزي بارك”، حيث أجرت أجهزة الدولة، لا سيما جهاز الاستخبارات الوطني، تحليلات دقيقة أثبتت أن الكتلة الصلبة والمحرك الأساسي للاحتجاجات الميدانية كانت تتكون بشكل رئيسي من العلويين والأكراد. وقد خلصت تلك التقارير إلى أن هؤلاء يمتلكون “عتبة تضحية” مرتفعة جدًا وقدرة فريدة على تنظيم الغضب الشعبي وتحويله إلى فعل ميداني مقاوم في وجه قمع الشرطة، وهو ما جعل أردوغان يستشعر خطراً وجودياً حقيقياً من هذه الفئة تحديداً.
توظيف الإرهاب كأداة للفرز السياسي
يقدم جوفين تحليلاً مثيراً حول كيفية تعامل السلطة مع التهديدات الأمنية، حيث يشير إلى أن النظام “غض الطرف” عمداً عن هجمات تنظيم “داعش” وجبهة “النصرة” التي استهدفت التجمعات الكردية (مثل تفجيرات ديار بكر، وسروج، وأنقرة) والشرائح العلمانية (مثل هجوم ملهى رينا)، بهدف كسر صعود الزعيم الكردي المعتقل حاليا صلاح الدين دميرطاش والضغط على المعارضة السكولارية / العلمانية. وفي المقابل، يرى جوفين أن النظام منع وقوع هجمات مماثلة ضد العلويين ليس حباً فيهم، بل خوفاً من رد فعلهم الجماعي؛ إذ يدرك أردوغان أن أي استهداف للعلويين سيؤدي إلى خروجهم الجماعي للشارع، وجرّ الفئات العلمانية خلفهم في موجة غضب لا يمكن السيطرة عليها.
كمال كليتشدار أوغلو: من “الموظف النزيه” إلى “أداة النظام“
في تحليل نفسي وسياسي عميق، يشبه جوفين تحول كمال كليتشدار أوغلو بشخصية “والتر وايت” في مسلسل (Breaking Bad)؛ حيث تحول الرجل من بيروقراطي “منطوٍ” يعتمد فقط على رأسمال “النزاهة” للترقي في نظام لا يقبل هويته العلوية، إلى شخصية متمسكة بالسلطة بأي ثمن. ويرى جوفين أن كليتشدار أوغلو أضاع فرصة “الخروج المشرف” في انتخابات 2023 حين رفض التنازل لمرشح يضمن الفوز، وهو الآن يتحول إلى “أداة” بيد القصر لتفكيك المعارضة من الداخل.
يرى جوفين أن تمسك كليتشدار أوغلو بالعودة لرئاسة حزب الشعب الجمهوري عبر بوابة “القضاء التابع لأردوغان” يمثل خيانة للمبادئ السياسية، ويعتقد أن كليتشدار أوغلو بات يشكل “جسمًا كارهًا” في وعي المجتمع، تمامًا كبعض الشخصيات المثيرة للجدل، حيث يسعى لاستعادة كرسيه حتى لو تطلب الأمر التحالف مع أدوات النظام القضائية.
صناعة الفتنة الرقمية: “القومية العلوية” المزيفة
يكشف جوفين عن تطور سياقي خطير بدأ في مطلع عام 2026، حيث تم رصد إنشاء مئات الحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي تدعي انتماءها للعلويين (تحت مسميات مثل اتحاد الشباب العلوي). هذه الحسابات تتبنى خطابا “قومياً علوياً” متطرفاً، وتشن هجمات شرسة على القيادة الحالية لحزب الشعب الجمهوري (أوزغور أوزل وأكرم إمام أوغلو)، والهدف من ذلك هو إحداث شرخ عميق بين الكتلة العلوية والكتلة العلمانية السكولارية، وإيهام المجتمع بأن العلويين يدعمون كليتشدار أوغلو فقط من منظور طائفي.
الشلل السياسي ومسؤولية المعارضة الحالية
ينتقد جوفين القيادة الحالية للمعارضة، معتبراً أنها تفتقر للشجاعة والرؤية الاستراتيجية لإدراك حجم المؤامرة التي تحاك لتفكيك نسيجها. فبينما يتم “تجميد” الفاعلية الكردية عبر وعود وهمية بـ”عملية سلام كردي جديدة” يقودها دولت بهجلي وعبد الله أوجلان، يتم دفع العلويين نحو الانعزال عن الحاضنة السكولارية العلمانية. ويرى المحلل أن حزب الشعب الجمهوري يغرق في معارك ثانوية حول الفساد في البلديات والمظاهر البروتوكولية، متجاهلاً أن النظام يبني “دولة بوليسية” تحرم الشعب من أي قدرة على الاحتجاج الميداني بعد “تحييد” محركات التغيير الأساسية (الأكراد والعلويين).
خلاصة
يسعى نظام أردوغان لشل قدرة المجتمع على المقاومة من خلال تفكيك التحالف التاريخي بين العلويين والعلمانيين، مستخدماً كليتشدار أوغلو كأداة لتمزيق حزب المعارضة الرئيسي وضمان انتقال السلطة بنظام “ملكي” وراثي.

