يقدم الباحث الأكاديمي التركي أَمْرَهْ أُوسلُو تحليلاً معمقاً لقرار “البطلان المطلق” الأخير في تركيا، معتبراً إياه الحدث القانوني والسياسي الأكثر صدقاً ووضوحاً خلال العقد الماضي، ليس لأنه يخدم العدالة، بل لأنه كشف القناع عن الوجه الحقيقي للنظام الحاكم، منهياً حقبة التواري خلف ستار الديمقراطية الشكلية.
تحول النظام من الاستبداد التنافسي إلى الشمولية المطلقة
يرى أوسلو أن تركيا تجاوزت منذ عام 2014 تصنيف “النظام الاستبدادي التنافسي” (Competitive Authoritarianism) – الذي يحافظ على الحد الأدنى من نزاهة الانتخابات– لتستقر في طور “النظام الشمولي (Totalitarian Regime).
ويفرق الباحث بين السلطوية التي تتحكم في المساحة الفيزيائية للأفراد وحركتهم، وبين الشمولية التي تسعى للسيطرة على “المجال الذهني”، حيث لا يكتفي النظام بمنع نقد سياساته، بل يفرض على الفاعلين السياسيين والمحللين تبني سرديات معينة، مما يجعل الصمت خياراً غير متاح أحياناً. إن قرار “البطلان” يمثل إعلاناً صريحاً بأن النظام هو من يهندس المعارضة، ويحدد قادة أحزابها، ويصيغ تحالفاتها وفقاً لمصالحه.
حزب الشعب الجمهوري: من “درع النظام” إلى هدف لعملياته
يصف أَمْرَهْ أُوسلُو حزب الشعب الجمهوري بأنه كان بمثابة “الدرع” و”اللحاف” الذي غطى تجاوزات النظام ومنحه شرعية دولية ومحلية لسنوات. فمن خلال قبول الحزب بنتائج انتخابات غير قانونية وتجاوزات دستورية صارخة، ساهم في ترسيخ أركان ما يسميه أوسلو تحالف “أردوناكون” (الذي يجمع بين أردوغان وجناح أرجنكون الأوراسي في الدولة العميقة). إلا أن قرار البطلان الأخير يشير إلى أن النظام بدأ في تفكيك هذا الدرع بمجرد أن حاولت قيادة الحزب إبداء نوع من المقاومة أو الخروج عن المسار المرسوم لها.
هندسة الهوية والصراع الداخلي في المعارضة
يطرح الباحث رؤية مثيرة للجدل حول الصراع داخل حزب الشعب الجمهوري، معتبراً إياه صراعاً بين الهويتين “العلوية والسنية” تم تصميمه ضمن مشروع “دولة المخابرات”. ووفقاً لأوسلو، فإن الهدف كان تحويل الحزب إلى كيان “علوي” خالص لضمان تجميع كتلة تصويتية معينة يسهل مقايضتها لاحقاً بمنصب “نائب رئيس علوي” ضمن بنية النظام الجديد، وهو ما يفسر دعوات بعض أقطاب الدولة العميقة لمثل هذه التعيينات. هذا التموضع يخدم استراتيجية النظام في استبدال الشرعية الانتخابية بشرعية “التوافق بين المكونات الاجتماعية” على غرار نماذج إقليمية أخرى.
منطق سقوط الدكتاتوريات والأخطاء الاستراتيجية القاتلة
يؤكد أَمْرَهْ أُوسلُو، استناداً إلى أدبيات العلوم السياسية، أن الدكتاتوريات لا تسقط عبر صناديق الاقتراع التي تهيمن عليها، بل عبر ارتكاب أخطاء فادحة تؤدي إلى تآكل شرعيتها وتفكك تحالفاتها الداخلية. ويضع قرار “البطلان المطلق” في كفة واحدة مع قرار شراء منظومة “S-400″، حيث أدى الأخير إلى ثقب “مظلة الأمان الدولية” لتركيا، بينما أدى الأول إلى إنهاء أي ادعاء بوجود قضاء مستقل. هذه “الصلابة” التي يبديها النظام هي في الواقع “هشاشة” تسبق الانكسار، إذ تميل الأنظمة الاستبدادية للتطرف والقمع المفرط عندما تشعر باقتراب نهايتها.
استراتيجية المستقبل: “حكومة شعبية بلا حزب الشعب“
يدعو الباحث القيادات الشابة مثل أكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزيل إلى التحرر من أغلال حزب الشعب الجمهوري بصيغته الحالية، الذي يراه النظام مجرد أداة وظيفية. البديل المقترح هو تدشين حركة سياسية وطنية مدنية تتجاوز الاسم التاريخي للحزب، الذي قد يشكل عائقاً في الوصول إلى عمق الأناضول المحافظ. ويشدد أوسلو على أن “المظلومية” في تركيا لا تصنع نصراً سياسياً مالم تقترن بالقوة والزخم؛ فالمظلومية تكون ذات قيمة فقط عندما تصبح أداة شرعية للطرف القوي القادر على فرض التغيير.
المتغيرات الدولية وأثر المحيط الإقليمي
يربط التحليل مستقبل النظام التركي بشكل وثيق بالتحولات في إيران والدعم الاستراتيجي من واشنطن. ويرى أوسلو أن أي اهتزاز في بنية النظام الإيراني سيسقط حجر الدومينو الأول للأنظمة الإسلامية السياسية في المنطقة. أما فيما يخص الدعم الأمريكي (مثل دعم ترامب)، فهو دعم براغماتي محكوم بحدود المصالح الاستراتيجية الكبرى، ولن يتردد الغرب في دعم بديل جديد إذا استطاع إمام أوغلو وفريقه خلق “رياح تغيير” حقيقية تلفت أنظار القوى الدولية.
خلاصة
يعد قرار “البطلان المطلق” شهادة وفاة رسمية للممارسة الديمقراطية في تركيا، وهو ما يضع المعارضة أمام خيار وحيد يتمثل في التخلي عن الهياكل التقليدية وبناء حراك وطني جديد يستفيد من أخطاء النظام القاتلة لتحقيق تحول سياسي شامل.

