بقلم: سليم نيازي أوغلو
تتصدر أزمة مضيق هرمز المشهد الجيوسياسي العالمي مع دخول المسار التفاوضي نفقاً مسدوداً، حيث اصطدمت المقترحات الأمريكية بتشدد إيراني، مما دفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية وألقى بظلال من الشك على استقرار الملاحة الدولية في واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
انسداد الأفق الدبلوماسي: مقترحات متصادمة وإرادات متعنتة
شهدت الأروقة الدبلوماسية محاولة لكسر الجمود عبر مقترح أمريكي يدعو إلى وقف العمليات القتالية كشرط استباقي قبل الخوض في القضايا الشائكة، وفي مقدمتها الملف النووي. غير أن الرد الإيراني جاء محملاً بحزمة اشتراطات شمولية؛ إذ طالبت طهران بإنهاء الحرب على كافة الجبهات، ولا سيما في لبنان، ورفع الحصار البحري الأمريكي عنها بالكامل.
ولم تكتفِ إيران بذلك، بل ربطت عودة الملاحة في مضيق هرمز باعتراف دولي بسيادتها المطلقة عليه، والحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، وإنهاء الحظر المفروض على صادراتها النفطية. وفي خطوة تقنية لافتة، أشارت تقارير إلى عرض إيراني بتخفيف تركيز اليورانيوم عالي التخصيب ونقل الفائض منه إلى دولة ثالثة كبادرة حسن نية مشروطة. ومع ذلك، جاء رد الرئيس دونالد ترامب حاسماً وسريعاً بوصفه هذه الشروط بأنها “غير مقبولة على الإطلاق”، مما أدى إلى تبخر آمال التسوية الفورية.
مضيق هرمز: سلاح الطاقة في قلب الصراع الجيوسياسي
تحول مضيق هرمز من ممر تجاري حيوي كان ينقل خمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي، إلى “نقطة خنق” استراتيجية تستخدمها طهران للضغط على المجتمع الدولي. وقد أدى استمرار حالة الإغلاق شبه الكامل للممر المائي إلى قفزات حادة في أسعار النفط، حيث سجلت زيادة فورية قدرها أربعة دولارات للبرميل عقب فشل المحادثات الأخيرة.
ورغم المخاطر الأمنية العالية، رصدت بيانات الشحن عبور ثلاث ناقلات نفطية فقط خلال الأسبوع الماضي، لجأت خلالها إلى إيقاف أجهزة التتبع لتجنب الاستهداف الإيراني. ويُظهر هذا الوضع عجزاً دولياً عن فرض حرية الملاحة؛ إذ قوبلت الدعوات الأمريكية لحلف الناتو بإرسال سفن حربية برفض قاطع من الحلفاء الذين اشترطوا وجود اتفاق سلام شامل وبعثة دولية منظمة قبل الإقدام على أي خطوة عسكرية في المضيق.
التصعيد الإقليمي: جبهات مشتعلة وحرب المسيرات
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الممرات المائية، بل امتدت لتشمل تصعيداً ميدانياً واسعاً في المنطقة. فرغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أبريل، لا يزال جنوب لبنان ساحة لاشتباكات مستمرة بين إسرائيل وحزب الله. وفي تطور نوعي، دخلت دول الخليج على خط المواجهة الدفاعية؛ حيث اعترضت الإمارات والكويت طائرات مسيرة قادمة من إيران، بينما نددت قطر باستهداف سفن شحن في مياهها الإقليمية.
هذا التصعيد يعكس استراتيجية “وحدة الساحات” التي تتبناها طهران، والتي تربط فيها بين أمن الخليج، واستقرار لبنان، وحرية الملاحة في هرمز، مما يجعل أي حل جزئي بعيد المنال في ظل الترابط العضوي بين هذه الملفات.
الاستراتيجية الإسرائيلية: ما بعد المواجهة العسكرية
من جانب آخر، يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن “هزيمة” إيران عسكرياً لا تعني انتهاء الحرب، مؤكداً ضرورة تفكيك البنية التحتية النووية وتجريد طهران من قدراتها الصاروخية الباليستية. ويتبنى نتنياهو رؤية استراتيجية تهدف إلى تقويض نظام طهران لإحداث أثر “الدومينو” الذي سيؤدي تلقائياً إلى انهيار شبكة الوكلاء في المنطقة، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن.
وفي تحول لافت في الخطاب الإسرائيلي تجاه واشنطن، أعرب نتنياهو عن رغبته في تصفير الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال عقد من الزمن. ويعزو هذا التوجه إلى تراجع الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل في الولايات المتحدة، وهو ما يراه نتنياهو نتيجة “تلاعب” دول معادية بوسائل التواصل الاجتماعي لتشويه صورة إسرائيل لدى الناخب الأمريكي.
المأزق الأمريكي: “أمريكا أولاً” تحت مطرقة الطاقة وسندان الانتخابات
يواجه الرئيس ترامب تحدياً داخلياً معقداً؛ فالحرب التي استُدرجت إليها واشنطن تتناقض مع شعاره الانتخابي “أمريكا أولاً” الذي يركز على تصفير النزاعات الخارجية. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يثير ارتفاع أسعار البنزين والتضخم الناجم عن أزمة هرمز استياءً واسعاً لدى الناخبين الأمريكيين.
وفي محاولة للخروج من هذا المأزق، يتطلع ترامب إلى بكين لممارسة ضغوط على طهران، حيث يُنتظر أن تكون إيران محوراً رئيسياً في مباحثاته مع الرئيس الصيني. ويعكس هذا التوجه رغبة أمريكية في تدويل الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر مرونة، بعيداً عن الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة لا يرغب بها الداخل الأمريكي.
خلاصة
تتصاعد أزمة هرمز مع فشل المقترحات الدبلوماسية في ردم الفجوة بين المطالب الإيرانية والرفض الأمريكي، مما يجعل اقتصاد الطاقة العالمي رهينة لسياسة حافة الهاوية وسط تعقيدات ميدانية وانتخابية.

