أعاد الحكم الأخير الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فتح أحد أكثر الملفات حساسية في تركيا منذ محاولة الانقلاب عام 2016، بعدما تصاعدت الدعوات السياسية والقانونية لإعادة محاكمة آلاف الأشخاص الذين أُدينوا في إطار الحملة الواسعة ضد حركة كولن.
المفارقة الأبرز في هذه الدعوات أنها لم تصدر فقط عن المعارضة التقليدية، بل جاءت أيضاً من شخصيات كانت جزءاً من الدائرة السياسية المقربة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال سنوات حكمه الأولى، ما يعكس اتساع الجدل الداخلي حول شرعية كثير من الأحكام الصادرة بعد الانقلاب الغامص.
داود أوغلو يدعو إلى “مصالحة مجتمعية شاملة”
خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب حزب المستقبل في أنقرة، دعا رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو إلى إطلاق ما وصفه بـ”مصالحة مجتمعية شاملة” قبل حلول الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب العام المقبل.
داود أوغلو، الذي شغل رئاسة الحكومة بين عامي 2014 و2016 وكان أحد أقرب حلفاء أردوغان خلال تلك المرحلة، انتقد استمرار معاقبة أشخاص بسبب أنشطة كانت قانونية ومشروعة وقت حدوثها.
وأشار إلى أن آلاف المواطنين تعرضوا للملاحقة أو السجن بسبب إرسال أبنائهم إلى مدارس مرخصة من الدولة، أو إيداع أموالهم في بنك “آسيا”، أو الانضمام إلى نقابات واتحادات كانت تعمل بشكل قانوني تحت إشراف الدولة التركية نفسها.
وقال إن الدولة لا يمكنها أن تشرعن مؤسسات لسنوات، ثم تعاقب المواطنين لاحقاً بسبب تعاملهم معها، مضيفاً أن “الناس العاديين في الأناضول وأبناء العائلات التي طُردت بمراسيم الطوارئ لا ينبغي أن يستمروا في دفع هذا الثمن”.
كما طالب بإعادة الموظفين العموميين الذين تمت تبرئتهم إلى وظائفهم، داعياً إلى منح العسكريين ذوي الرتب الدنيا الذين حوكموا بعد الانقلاب فرصة لمحاكمات عادلة جديدة.
من تحالف الأمس إلى صراع اليوم
تعود جذور الصراع بين السلطة التركية وحركة كولن إلى تحقيقات الفساد الكبرى التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 2013، والتي طالت شخصيات مقربة من أردوغان وأفراداً من عائلته ودائرته السياسية.
حينها اتهم أردوغان الحركة، التي أسسها الراحل فتح الله كولن، بالوقوف خلف التحقيقات في إطار ما وصفه بـ”محاولة انقلاب قضائي”.
وفي مايو/أيار 2016، صنفت السلطات التركية الحركة كمنظمة إرهابية، قبل أن تتوسع حملة القمع بشكل غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب في يوليو/تموز من العام نفسه، والتي حمّلت أنقرة كولن مسؤوليتها، بينما نفت الحركة أي تورط لها في الانقلاب أو في أنشطة إرهابية.
أنشطة قانونية تحولت إلى أدلة إدانة
بعد الانقلاب، اعتبرت السلطات التركية أن مجموعة واسعة من الأنشطة المدنية تشكل مؤشرات على الانتماء إلى الحركة، من بينها امتلاك حساب في بنك “آسيا”، واستخدام تطبيق المراسلة المشفر “بايلوك”، والاشتراك في صحيفة “زمان”، أو العمل في مؤسسات تعليمية مرتبطة بالحركة.
وكان تطبيق “بايلوك” متاحاً بشكل علني عبر متجري “أبل” و”غوغل”، فيما كان بنك آسيا واحداً من أكبر البنوك التجارية الخاصة في تركيا قبل إغلاقه.
لكن المحكمة الأوروبية رأت في أحكامها الأخيرة أن الاعتماد على هذه الأنشطة وحدها لا يكفي لإثبات الانتماء إلى “تنظيم إرهابي مسلح”، ما دام الادعاء لا يثبت وجود نية واعية لدعم أهداف عنيفة أو إجرامية.
وزير سابق يطالب أنقرة بالامتثال للحكم الأوروبي
بدوره، دعا وزير الثقافة والسياحة التركي الأسبق أرطغرل غوناي وزارة العدل التركية إلى الالتزام بالحكم الأوروبي وإعادة النظر في الأحكام القضائية المشابهة.
غوناي، الذي شغل منصبه بين 2007 و2013 ضمن حكومات حزب العدالة والتنمية، اعتبر أن القرار الأوروبي يؤكد افتقار عدد كبير من الإدانات المتعلقة بالإرهاب بعد الانقلاب إلى الأساس القانوني الكافي.
كما ذكّر بالمبدأ الدستوري الذي يمنع المعاقبة بأثر رجعي، مؤكداً أن “لا أحد يمكن أن يُعاقب على أفعال لم تكن تُعتبر جريمة وقت ارتكابها”.
ينار أوغلو: القضاء التركي يواجه أزمة بنيوية
من جانبه، اعتبر النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية مصطفى ينار أوغلو أن الحكم الأوروبي كشف عن أزمة هيكلية أعمق داخل المنظومة القضائية التركية في مرحلة ما بعد الانقلاب.
وقال إن المحكمة الأوروبية بعثت برسالة واضحة مفادها أن مجرد الانتماء إلى جماعة دينية أو المشاركة في بعض الأنشطة الاجتماعية أو الاعتماد على شهادات شهود غير كافٍ لإدانة شخص بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي مسلح.
وأضاف أن الادعاء العام مُلزَم بإثبات أن المتهم دعم عن علم وإرادة أهدافاً عنيفة أو غير قانونية، مع تقديم أدلة فردية وملموسة تخص كل حالة على حدة.
كما دعا البرلمان التركي إلى سن تشريعات تتيح إعادة المحاكمات وتوفير سبل الانتصاف القانونية للمتضررين.
قضية شعبان ياساك تعمّق أزمة القضاء التركي
الدعوات الجديدة جاءت بعد الحكم التاريخي الذي أصدرته الدائرة الكبرى للمحكمة الأوروبية في الخامس من مايو/أيار 2026 في قضية شعبان ياساك ضد تركيا.
ورأت المحكمة أن أنقرة انتهكت مبدأ “لا عقوبة دون قانون” إضافة إلى حظر المعاملة اللاإنسانية والمهينة.
وكان ياساك قد أُدين بالانتماء إلى منظمة إرهابية استناداً إلى شهادات تحدثت عن دوره داخل شبكات طلابية مرتبطة بالحركة قبل عام 2014، إضافة إلى امتلاكه حساباً في بنك آسيا، وعمله في مركز تعليمي خاص، وعضويته في جمعيات قيل إنها مرتبطة بالحركة، فضلاً عن سجلات اتصالات هاتفية مع مشتبه بهم آخرين.
كما أشارت المحكمة إلى أن ظروف احتجازه الطويلة داخل سجون مكتظة شكلت انتهاكاً إضافياً لحقوقه الأساسية.
أحكام أوروبية متتالية ضد أنقرة
حكم “ياساك” لم يكن الأول من نوعه، بل جاء امتداداً لسلسلة قرارات أوروبية تنتقد المحاكمات التركية بعد الانقلاب.
ففي عام 2023، أصدرت المحكمة الأوروبية حكماً واسع التأثير في قضية يُوكسيل يالتشين كايا، اعتبرت فيه أن تركيا انتهكت الحق في المحاكمة العادلة وحرية تكوين الجمعيات ومبدأ عدم العقوبة دون قانون، خاصة في القضايا المعتمدة على استخدام تطبيق “بايلوك”.
وأكدت المحكمة حينها أن المشكلة ذات طابع “منهجي”، مشيرة إلى وجود نحو 8500 طلب مشابه قيد النظر.
وفي يوليو/تموز 2025، كررت المحكمة الموقف نفسه في قضية “دميرهان وآخرون ضد تركيا”، والتي شملت 239 شخصاً أُدينوا بالانتماء إلى حركة كولن، مع الإشارة إلى استمرار تدفق آلاف الملفات المشابهة إلى المحكمة.
أرقام تكشف حجم الحملة
بحسب أحدث بيانات وزارة العدل التركية، فقد أُدين أكثر من 126 ألف شخص منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالارتباط بحركة كولن، فيما لا يزال أكثر من 11 ألف شخص داخل السجون.
كما تستمر الإجراءات القضائية بحق أكثر من 24 ألف شخص، بينما يبقى نحو 58 ألفاً آخرين قيد التحقيق حتى اليوم، بعد قرابة عقد كامل على محاولة الانقلاب.
وخلال حالة الطوارئ التي استمرت حتى يوليو/تموز 2018، أُقيل أكثر من 130 ألف موظف حكومي عبر مراسيم استثنائية، بينهم أكثر من أربعة آلاف قاضٍ ومدعٍ عام، إضافة إلى أكثر من 24 ألف عنصر من القوات المسلحة.
وقد انتقدت مؤسسات أوروبية ومنظمات حقوقية هذه الإجراءات مراراً بسبب غياب الرقابة القضائية والبرلمانية الفعلية على قرارات الفصل والاعتقال.
تداعيات سياسية وقانونية متصاعدة
تُظهر هذه التطورات أن ملف ما بعد الانقلاب لم يعد مجرد قضية أمنية داخلية، بل تحول إلى أزمة قانونية وسياسية وحقوقية مفتوحة تؤثر على علاقة تركيا بالمؤسسات الأوروبية وعلى صورة نظامها القضائي.
كما أن تصاعد الدعوات من شخصيات كانت سابقاً جزءاً من السلطة الحاكمة يعكس تحوّلاً تدريجياً في الخطاب السياسي الداخلي، خاصة مع اقتراب الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب وتزايد النقاش حول كلفة السياسات الاستثنائية التي أعقبتها.
الخلاصة
الحكم الأوروبي الأخير بشأن قضايا حركة كولن فتح الباب أمام موجة متصاعدة من المطالب بإعادة المحاكمات ومراجعة أحكام ما بعد انقلاب 2016 في تركيا. ومع انضمام شخصيات بارزة من معسكر أردوغان السابق إلى هذه الدعوات، يبدو أن الجدل حول العدالة والقضاء وحقوق الإنسان يدخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً.

