تشهد العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية تطورًا لافتًا يُتوقع أن يُترجم باتفاق رسمي لإلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين، في خطوة تعكس تسارع وتيرة التقارب السياسي والاقتصادي بعد سنوات من التوتر الحاد.
اجتماع أنقرة: منصة لإعلان الاتفاق
من المنتظر أن تستضيف أنقرة اجتماعًا مهمًا يجمع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، حيث سيترأسان بشكل مشترك أعمال مجلس التنسيق التركي–السعودي. ويُتوقع أن يشهد هذا اللقاء توقيع اتفاق ثنائي يقضي بإلغاء متطلبات التأشيرة لمواطني البلدين.
ووفق المعطيات الدبلوماسية، فإن الاتفاق لن يقتصر على حاملي جوازات السفر الدبلوماسية، بل سيمتد ليشمل أيضًا حاملي الجوازات العادية، ما يمنح الخطوة بعدًا عمليًا واسع التأثير على حركة الأفراد والتبادل المجتمعي.
إلغاء التأشيرات: دلالات اقتصادية وسياسية
يمثل هذا الاتفاق، في حال إقراره، تحولًا نوعيًا في مستوى العلاقات الثنائية، إذ يفتح المجال أمام تعزيز السياحة والتجارة والاستثمار، ويُسهم في إزالة الحواجز البيروقراطية التي لطالما أعاقت انسيابية التنقل بين البلدين.
كما يعكس توجهًا استراتيجيًا لدى أنقرة والرياض لإعادة صياغة علاقتهما على أسس براغماتية، ترتكز على المصالح الاقتصادية والتكامل الإقليمي، في ظل تحولات أوسع تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
من أزمة خاشقجي إلى مسار التطبيع
يأتي هذا التقارب بعد سنوات من التوتر الذي بلغ ذروته عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، وهي القضية التي أثارت أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين. آنذاك، اتهمت أنقرة مسؤولين سعوديين كبارًا بالضلوع في العملية، وهو ما نفته الرياض.
غير أن مسار العلاقات بدأ يتغير تدريجيًا منذ عام 2020، حيث تبادل الطرفان زيارات رفيعة المستوى، وأطلقا مبادرات لإعادة بناء الثقة، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.
السياسة الإقليمية: دعوة إلى “الملكية الإقليمية” للحلول
في سياق الاجتماع المرتقب، يُتوقع أن يجدد وزير الخارجية التركي تأكيد بلاده على مبدأ “الملكية الإقليمية” في معالجة أزمات الشرق الأوسط، وهو مفهوم يقوم على أن دول المنطقة يجب أن تضطلع بالدور الرئيسي في حل نزاعاتها بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
كما يُرجح أن تؤكد أنقرة استمرارها في دعم الجهود الرامية إلى إنهاء النزاعات الإقليمية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بإيران، والعمل على تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال مقاربات دبلوماسية متعددة الأطراف.
إعادة تموضع تركي في الخليج
يأتي هذا التطور ضمن استراتيجية أوسع تنتهجها تركيا لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج العربي، بعد مرحلة من التباينات السياسية. وقد بات واضحًا أن أنقرة تسعى إلى ترسيخ شراكات طويلة الأمد مع العواصم الخليجية، مستفيدة من تقاطع المصالح في مجالات الطاقة، والاستثمار، والأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، تبرز السعودية كشريك محوري، نظرًا لثقلها السياسي والاقتصادي، ما يجعل أي تقارب معها ذا تأثير مباشر على موازين القوى الإقليمية.
براغماتية جديدة في السياسة الخارجية
تعكس الخطوة المرتقبة تحوّلًا في نهج السياسة الخارجية لكل من تركيا والسعودية نحو مزيد من الواقعية السياسية، حيث تتقدم المصالح المشتركة على الخلافات السابقة. كما تشير إلى إدراك متزايد لدى الطرفين بأهمية التعاون الإقليمي في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
ومع ذلك، فإن استدامة هذا التقارب ستظل مرتبطة بقدرة الجانبين على إدارة الخلافات المحتملة، والحفاظ على توازن دقيق بين التعاون والتنافس في ملفات إقليمية معقدة.

