كشفت بيانات ضريبية حديثة عن استمرار التراجع المالي لمركز “ديانت أمريكا”، الذراع الأمريكية لرئاسة الشؤون الدينية التركية، في مؤشر يعكس مسارًا تنازليًا ممتدًا منذ قرابة عقد.
ووفق سجلات مصلحة الضرائب الأمريكية التي نشرتها منصة التحقيقات الصحفية بروبوبليكا، بلغت أصول المؤسسة نحو 78.6 مليون دولار مع تسجيل عجز تشغيلي يقارب 3 ملايين دولار خلال أحدث إفصاح مالي.
مؤشرات مالية: عجز متكرر وتآكل في الأصول
أظهر نموذج الإفصاح الضريبي السنوي (Form 990) المقدم في مارس 2026 عن السنة المالية 2024 أن المركز حقق إيرادات بقيمة 3.5 ملايين دولار، مقابل نفقات تجاوزت 6.4 ملايين دولار، ما أدى إلى فجوة مالية واضحة.
وبنهاية العام، انخفض إجمالي الأصول إلى 78.6 مليون دولار، مقارنة بـ81.7 مليون دولار في العام السابق، ما يكرّس اتجاهًا تنازليًا مستمرًا منذ عام 2015. وخلال هذه الفترة، فقدت المؤسسة نحو 25 مليون دولار من قيم أصولها، بعد أن كانت تتجاوز 103 ملايين دولار.
اللافت أن عام 2015 كان الاستثناء الوحيد الذي سجلت فيه المؤسسة فائضًا ماليًا، حيث تجاوزت الإيرادات النفقات بفضل تبرعات بلغت 6.4 ملايين دولار، مقابل مصاريف عند 3.2 ملايين. أما في السنوات السابقة على افتتاح المجمع، فقد شهدت تدفقات مالية كبيرة خلال مرحلتي 2013 و2014، مع تبرعات وصلت إلى 36.4 مليون و49.1 مليون دولار على التوالي، في سياق تمويل مشروع البناء.
مصادر الإيرادات وهيكل الإنفاق
تشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر من إيرادات المركز في عام 2024 جاء من عوائد الإيجارات التي بلغت أكثر من 2.1 مليون دولار، تلتها التبرعات بنحو 975 ألف دولار، ثم إيرادات البرامج والخدمات بحوالي 877 ألف دولار.
في المقابل، ارتفعت تكاليف الأجور والرواتب إلى نحو 885 ألف دولار في 2024، مقارنة بـ745 ألف دولار في العام السابق. ويُظهر التقرير أن المدير التنفيذي أحمد صالح بيرقدار تقاضى 33 ألف دولار كتعويض مالي، دون تسجيل رواتب لمسؤولين آخرين.
ورغم أن المؤسسات الدينية في الولايات المتحدة غير ملزمة قانونًا بتقديم هذا النوع من الإفصاحات، فإن المركز واصل نشر بياناته المالية سنويًا، ما يوفر قدرًا من الشفافية النسبية مقارنة بكيانات دينية أخرى.
موقع المؤسسة ضمن المنظمات الإسلامية الأمريكية
بحسب تقرير لصحيفة “جمهوريت”، يحتل مركز ديانات أمريكا المرتبة الثالثة بين المنظمات الإسلامية المعفاة من الضرائب في الولايات المتحدة من حيث حجم الأصول. ويتقدم عليه كل من مؤسسة “صفا تراست” في ولاية فرجينيا بأصول تبلغ 336 مليون دولار، ومنظمة “الإغاثة الإسلامية الأمريكية” بأصول تقارب 232.4 مليون دولار.
ويُصنف مركز ديانات ككيان ديني، بينما تُصنف “صفا تراست” كمؤسسة مانحة، ما يعكس اختلافًا في طبيعة النشاط والتمويل.
مجمع ضخم بإمكانيات متعددة
يقع المركز على مساحة 15 فدانًا في ولاية ماريلاند، وقد افتتحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أبريل 2016. ويضم المجمع مسجدًا بمساحة 879 مترًا مربعًا يتسع لنحو 3 آلاف مصلٍ، إضافة إلى مرافق واسعة تشمل قاعة مؤتمرات ومبنى مجتمعي.
كما يحتوي الموقع على 11 فيلا، ومنزلين منفصلين على طراز الفلل، ودار ضيافة تضم 24 غرفة، إلى جانب مطعم ومحال تجارية، ومسبح داخلي، وصالة رياضية، وحمام تركي، ما يجعله أقرب إلى مجمع متكامل متعدد الاستخدامات.
خلفيات التأسيس وتطور الهوية المؤسسية
تأسست المؤسسة عام 1993 تحت اسم “المؤسسة الإسلامية التركية الأمريكية”، قبل أن تتحول إلى “مركز المجتمع التركي الأمريكي” عام 2003، ثم تأخذ اسمها الحالي بعد إنشاء المجمع الجديد.
وقد استثمرت رئاسة الشؤون الدينية التركية ومؤسسة “ديانت” الخيرية أكثر من 90 مليون دولار في بناء هذا المشروع، ما يعكس حجم الرهان الرسمي على دوره الديني والثقافي في الخارج.
انتقادات سياسية وتساؤلات حول الإدارة
أثارت هذه الأرقام انتقادات داخل تركيا، حيث اعتبر النائب تورهان تشوميز أن المؤسسة تعاني من سوء إدارة مالي، مشيرًا إلى أن نفقاتها السنوية تصل إلى 5.1 ملايين دولار، مع خسائر سنوية تقارب 2.5 مليون دولار، إضافة إلى رواتب سنوية تُقدر بنحو 700 ألف دولار.
وتساءل تشوميز عن جدوى امتلاك منشآت فاخرة مثل الفلل ومرافق الضيافة والحمام التركي والمسبح في الولايات المتحدة، في وقت يواجه فيه المواطنون في تركيا ضغوطًا اقتصادية متزايدة، معتبرًا أن هذه النفقات تعكس خللًا في الأولويات.
سياق أوسع: أدوار متشابكة بين الدين والسياسة
يأتي هذا التراجع المالي في وقت تتزايد فيه النقاشات حول دور المؤسسات الدينية التركية في الخارج، خاصة في ظل توسيع أنقرة لنفوذها الثقافي والديني عبر شبكات “ديانات”. وتثير هذه الأنشطة جدلًا في بعض الدول الغربية، حيث تُطرح تساؤلات حول تداخل الأدوار الدينية مع الأجندات السياسية.
في المقابل، ترى أنقرة أن هذه المراكز تؤدي دورًا حيويًا في خدمة الجاليات المسلمة وتعزيز الهوية الثقافية، ما يجعلها جزءًا من أدوات “القوة الناعمة” التركية.

