دخلت قضية رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو مرحلة جديدة على المستوى الدولي، بعد أن طلبت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من الحكومة التركية تقديم ملاحظاتها الرسمية بشأن طلب تقدّم به السياسي المعارض، في خطوة إجرائية تُعرف بـ”إخطار القضية”، تمهّد لبحثها بشكل موسّع أمام المحكمة.
خلفية الاعتقال: توقيت سياسي حساس
يعود توقيف إمام أوغلو، البالغ من العمر 54 عاماً، إلى مارس/آذار 2025، في توقيت لافت تزامن مع إعلان حزب الشعب الجمهوري ترشيحه رسمياً لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما اعتبره منتقدون محاولة لإقصائه من السباق السياسي في مرحلة مبكرة.
ورغم الطعون المتكررة التي تقدّم بها فريقه القانوني ضد قرار توقيفه واستمراره، فقد رُفضت جميعها، في حين لا تزال بعض المسارات القضائية الداخلية قائمة، من بينها اعتراضه على سرية ملف التحقيق، إضافة إلى طلب فردي قدّمه إلى المحكمة الدستورية التركية في مايو/أيار 2025.
انتقال الملف إلى القضاء الأوروبي
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نقل إمام أوغلو قضيته إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، التي قامت في مارس/آذار بإخطار الحكومة التركية رسمياً بالطلب، مطالبةً إياها بالرد على جملة من الأسئلة القانونية، قبل أن تعلن هذه الخطوة للرأي العام لاحقاً.
ويعني هذا الإجراء أن المحكمة بدأت دراسة الملف بشكل رسمي، دون أن يشكل ذلك حكماً مسبقاً بقبول الدعوى أو ثبوت انتهاك.
طبيعة الاتهامات والإجراءات القضائية
تدور القضية حول اتهامات ثقيلة موجّهة إلى إمام أوغلو، تشمل قيادة منظمة إجرامية، والرشوة، والتلاعب في المناقصات، وإدارة غير قانونية للبيانات الشخصية، إضافة إلى تهم أخرى وردت في لائحة الاتهام.
وتُحاكمه السلطات التركية إلى جانب 406 متهمين آخرين في محاكمة بدأت في مارس/آذار داخل مجمع سجن مرمرة في سيليفري، على أطراف إسطنبول، وسط توقعات بأن تمتد جلساتها لنحو 45 يوماً.
وتطالب النيابة العامة بعقوبات مشددة قد تصل في مجموعها إلى 2430 عاماً من السجن، وهو رقم يعكس طبيعة التهم المتعددة والمتراكمة في القضية.
دفاع إمام أوغلو: غياب الأدلة ودوافع سياسية
في مرافعته أمام المحكمة الأوروبية، يؤكد إمام أوغلو أن ملف القضية يخلو من أدلة مادية تثبت الاتهامات الموجهة إليه، معتبراً أن احتجازه الاحتياطي يفتقر إلى الأساس القانوني.
كما يشير إلى جملة من الانتهاكات الإجرائية، من بينها تقييد وصوله إلى ملف التحقيق، وغياب مراجعة قضائية فعالة لاستمرار توقيفه، مستنداً إلى مواد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بالحرية والأمن.
ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن توقيفه ذو طابع سياسي، خاصة أنه جاء مباشرة بعد إعلانه الترشح للرئاسة، ما أدى إلى عرقلة نشاطه السياسي ومنعه من إدارة حملته الانتخابية بشكل طبيعي، وبالتالي التأثير على مبدأ تكافؤ الفرص في الانتخابات.
أسئلة المحكمة الأوروبية: هل نحن أمام دافع سياسي؟
طلبت المحكمة من أنقرة الرد على مجموعة من النقاط الجوهرية، أبرزها مدى توافر “شبهة معقولة” تبرر التوقيف، وما إذا كانت المحاكم التركية قد قدمت مبررات كافية لاستمراره، إضافة إلى مدى توفر سبل الانتصاف القانونية الفعالة.
كما طرحت المحكمة سؤالاً محورياً حول ما إذا كان احتجاز إمام أوغلو يحمل دوافع سياسية، مستحضرةً في هذا السياق حكمها الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2020 بشأن السياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش الذي خلص إلى أن احتجازه كان ذا أهداف سياسية.
وفي ضوء ذلك، تساءلت المحكمة عمّا إذا كانت قضية إمام أوغلو تمثل تدخلاً في العملية الديمقراطية، أو تقويضاً لحقه في الترشح والمشاركة الفعالة في الانتخابات.
قراءة المعارضة: إشارات مقلقة على المسار الديمقراطي
اعتبر حزب الشعب الجمهوري أن طبيعة الأسئلة التي وجهتها المحكمة الأوروبية تعكس قلقاً جدياً من احتمال وجود تدخل في العملية السياسية، وتهديد لحق التمثيل الديمقراطي.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة التركية، خاصة بعد الأداء القوي للمعارضة في الانتخابات المحلية لعام 2024، والتي عززت موقع إمام أوغلو كأبرز منافس سياسي للرئيس رجب طيب أردوغان.
موقف السلطات التركية: التأكيد على استقلال القضاء
في المقابل، ترفض السلطات التركية الاتهامات بتسييس القضاء، مؤكدة أن المحاكم تعمل بشكل مستقل، وأن الإجراءات بحق إمام أوغلو تستند إلى أدلة وملفات تحقيق قانونية.
أبعاد أوسع: اختبار جديد لعلاقة أنقرة بأوروبا
تعكس هذه القضية توتراً مستمراً بين تركيا والمؤسسات الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بمعايير حقوق الإنسان واستقلال القضاء. ومن المتوقع أن يكون لقرار المحكمة الأوروبية، عند صدوره، تأثير يتجاوز مصير إمام أوغلو ليطال مجمل العلاقة بين أنقرة ومجلس أوروبا.
كما أن استحضار سابقة دميرطاش يشير إلى احتمال أن تتجه المحكمة نحو مقاربة أكثر صرامة في تقييم القضايا ذات الطابع السياسي في تركيا.

