شهدت تركيا موجة توقيفات طالت 170 شخصاً خلال الأيام الماضية، على خلفية فعاليات عيد نوروز، في سياق عمليات أمنية امتدت إلى عدة ولايات، واستهدفت ما تصفه السلطات بأنشطة دعائية مرتبطة بـحزب العمال الكردستاني.
وبحسب بيانات رسمية، جرت التوقيفات على مرحلتين؛ حيث تم احتجاز عشرات الأشخاص في عمليات متفرقة بين 17 و22 مارس في تسع ولايات، تلتها حملة أخرى شملت ولايات إضافية وأسفرت عن توقيفات جديدة، ما رفع العدد الإجمالي إلى 170.
نوروز في الجنوب الشرقي: احتفال ثقافي بامتداد سياسي
يحمل عيد نوروز في المناطق ذات الغالبية الكردية، خصوصاً في مدن مثل ديار بكر، طابعاً يتجاوز البعد الثقافي، إذ يتحول إلى مناسبة للتعبير عن الهوية الكردية وطرح مطالب سياسية.
وخلال احتفالات هذا العام، تجمعت حشود بالقرب من صور عبد الله أوجلان، في مشهد يعكس استمرار رمزيته داخل الشارع الكردي، رغم وجوده في السجن منذ عقود.
مبررات التوقيف: “الدعاية” وحدود التعبير
تربط السلطات هذه التوقيفات باتهامات تتعلق بنشر دعاية لصالح حزب العمال الكردستاني خلال أو على هامش فعاليات نوروز، وهو تصنيف قانوني يُستخدم بشكل متكرر في قضايا مرتبطة بالنشاط السياسي الكردي.
في المقابل، تثير هذه الإجراءات جدلاً واسعاً حول حدود حرية التعبير، خاصة عندما تشمل الاتهامات أنشطة ذات طابع ثقافي أو رمزي، مثل الشعارات والأغاني والاحتفالات الشعبية.
توقيت حساس: بين المسار الأمني ومبادرة السلام
تأتي هذه التطورات في لحظة دقيقة تشهد فيها البلاد محاولات لإحياء مسار تسوية جديد مع حزب العمال الكردستاني، بعد سنوات من الجمود.
وكانت لجنة برلمانية قد صادقت في فبراير الماضي على تقرير يضع تصوراً لإصلاحات قانونية متزامنة مع تخلي الحزب عن السلاح، في إطار مسعى لإنهاء نزاع مستمر منذ أكثر من أربعة عقود.
غير أن هذا المسار يواجه اختباراً معقداً، يتمثل في التوفيق بين المقاربة الأمنية التي تعتمدها الدولة، ومتطلبات بناء الثقة التي يطرحها الجانب الكردي.
مطالب سياسية مقابل إجراءات أمنية
في موازاة هذه الحملة، جدد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب دعواته خلال احتفالات نوروز إلى إدخال تعديلات قانونية شاملة وسنّ “قانون سلام” يوفّر ضمانات دائمة وإعادة تعريف الوضع القانوني لـعبد الله أوجلان.
ويرى الحزب أن أي تسوية مستدامة تتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، وليس مجرد إجراءات سياسية مؤقتة.
فجوة الثقة: معضلة المسار الحالي
تكشف هذه التطورات عن فجوة متزايدة في الرؤى بين الحكومة والقوى السياسية الكردية.
ففي حين تشترط أنقرة نزع السلاح الكامل كمدخل لأي تقدم، ترى الأطراف الكردية أن استمرار الملاحقات الأمنية، حتى في مجالات التعبير الثقافي، يقوّض الثقة اللازمة لإنجاح أي عملية سلام.
انتقادات حقوقية: القانون بين الأمن والتقييد
أعربت منظمات حقوقية عن قلقها من استخدام قوانين “الدعاية الإرهابية” في ملاحقة أنشطة غير عنيفة، معتبرة أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى تقييد مجالات التعبير الثقافي والسياسي.
وترى هذه الجهات أن توسيع نطاق الاتهامات ليشمل الأغاني والرموز والفعاليات العامة يثير تساؤلات حول التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق التعبير.
مشهد معقد: الأمن والسياسة في مسار متواز
تضع هذه الأحداث مسار السلام الكردي أمام معادلة دقيقة، حيث تتقاطع الجهود السياسية مع اعتبارات أمنية متشددة، في وقت يتطلب فيه أي تقدم حقيقي بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة.
وبينما تمضي الدولة في إجراءاتها الأمنية، تستمر الدعوات السياسية لإطار قانوني شامل، ما يجعل المرحلة الحالية اختباراً حاسماً لمستقبل العلاقة بين أنقرة والمكوّن الكردي.
خلاصة
تكشف توقيفات نوروز عن استمرار هيمنة المقاربة الأمنية رغم الحديث عن مسار سلام كردي جديد، ما يعمّق فجوة الثقة بين الأطراف. وفي ظل هذا التناقض، يبقى نجاح أي تسوية مرهوناً بقدرة الجانبين على التوفيق بين الأمن والحقوق السياسية.

