تعيش تركيا على وقع واحدة من أخطر الفضائح المؤسسية في السنوات الأخيرة، بعد انكشاف شبكة تزوير دبلومات طالت مئات الأكاديميين والموظفين العموميين، بينهم نواب في البرلمان وقضاة وضباط أمن.
الفضيحة التي انفجرت بالتزامن مع تصاعد الانتقادات لسياسات التوظيف في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، كشفت حجم التآكل في منظومة الكفاءة والشفافية، خاصة بعد إقصاء عشرات الآلاف من الكوادر المؤهلة بقرارات الطرد الجماعي (KHK) بدعوى الانتماء إلى حركة الخدمة التي تسوتحي فكر الراحل فتح الله كولن، في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016.
من الكفاءات إلى التزوير – حصيلة كارثية لقرارات الطوارئ
النائب عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي والناشط الحقوقي المعروف، د. عمر فاروق جرجرلي أوغلو، صرّح بأن ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لما وصفه بـ”سياسات الإقصاء التعسفي”. وقال في بيان نشره عبر حساباته على مواقع التواصل: “تم طرد آلاف الموظفين الأكفاء بقرارات حالة الطوارئ، وتم تعيين المقربين من الحكومة مكانهم. اليوم نتحدث عن نواب وأكاديميين بدبلومات مزوّرة، إنها فضيحة حقيقية.”
بحسب جرجرلي أوغلو، هناك أكثر من 400 أكاديمي وعشرات النواب يشغلون مناصبهم بناءً على وثائق دراسية مزيفة، في حين تم اعتقال ما يقارب 200 شخص حتى الآن على خلفية هذه القضية.
تفاصيل الفضيحة – شبكة تزوير معقّدة وشخصيات نافذة
التحقيقات الأولية كشفت إنتاج نحو 270 توقيعًا إلكترونيًا مزورًا باسم حوالي 20 مؤسسة حكومية، بما فيها جامعات وهيئات تنظيمية مثل مجلس التعليم العالي (YÖK) وهيئة الاتصالات. تم استخدام هذه التواقيع لإصدار آلاف الشهادات المزورة، استُخدمت في توظيف المئات في مؤسسات الدولة، أبرزها:
- أكاديميون في جامعات حكومية
- ضباط شرطة (بينهم من وصل إلى رتبة باش مفوض)
- قضاة ووكلاء نيابة
الوظائف المزيفة تركزت في تخصصات مثل: التعليم، والهندسة، والقانون، والعلوم السياسية. الأخطر، أن بعض المتورطين دخلوا أجهزة أمنية حساسة، باستخدام شهادات من مؤسسات تعليمية أجنبية غير معترف بها رسميًا.
صمت رسمي وتواطؤ مؤسسي
رغم فداحة الأرقام، لم يصدر أي تعليق من مؤسسات محورية مثل مجلس التعليم العالي وهيئة الاتصالات، الأمر الذي وصفه صحفيون بـ”التواطؤ المقصود”. الصحفي بُلنت موماي كتب في تغريدة: “تحولت البلاد إلى جنة للدبلومات المزورة. لا كلمة منمجلس التعليم العالي أو هيئة الاتصالات صمت مطبق كما لو أننا في زمن النعام.”
يُذكر أن وزير الدولة للنقل والاتصالات المساعد، عمر فاتح صايان، قام فور تصاعد الضغوط بمسح شهادتين من سيرته الذاتية، وهو ما اعتبره مراقبون “محاولة بائسة لطمس الأدلة”.
“يليز” والجامعات الوهمية – شخصيات مقربة من السلطة تحت المجهر
النائب عن حزب العدالة والتنمية، أحمد حمدي تشامللي، المعروف بلقب “يليز”، وُجهت له اتهامات بحيازة شهادة من جامعة Newport غير المعترف بها من قبل مجلس التعليم العالي التركي. عند سؤاله إن كان لديه أي دليل بصري على دراسته هناك، أجاب: “ما حصلتش على فرصة للتصوير!”.
الكفاءات على الأرصفة والمزورون في المناصب
في سياق الفضيحة، أُعيد تداول مقطع مصور لزعيم حزب الديمقراطية والتقدمعلي باباجان، تحدث فيه عن شاب جامعي يحمل شهادتين، لكنه يعمل بائعًا في السوق بسبب انسداد آفاق التوظيف.
الصحفي الاقتصادي مراد مراد أوغلو انتقد ازدواجية المعايير بقوله: “وفق لوائح مجلس التعليم العالي لا يجوز الالتحاق ببرنامجَي دكتوراه في آن. فكيف تمكن نائب الوزير عمر فاتح صايان من ذلك؟ هل هناك عرض ‘اشترِ شهادة واحصل على الأخرى مجانًا؟'”
انهيار الرقابة الإلكترونية: هيئة الاتصالات في قلب العاصفة
الفضيحة طالت أيضًا رئيس هيئة الاتصالات، عمر عبد الله قره غوز أوغلو، بعد إصدار توقيع إلكتروني باسمه دون علمه. وعقب معرفته، اتخذ قرارًا في 14 كانون الثاني 2025 يفرض تدابير أمنية إضافية على شركات إصدار e-imza، من ضمنها التحقق عبر الرسائل النصية.
لكن شركة TÜRKTRUST، المتورطة في الشبكة، لم تطبق الإجراءات إلا بعد ثلاثة أسابيع، في 5 أيار 2025، ما أثار استغراب الإعلامي باريش بَهلَوان: “هل يُعقل أن تمرّ هذه الثغرة بلا محاسبة؟ ما هذا الصمت من هيئة الاتصالات؟”
فراغ مؤسسي في وقت حرج
رغم إنشاء “رئاسة الأمن السيبراني” في 8 كانون الثاني 2025، لم يُعيَّن أي مسؤول على رأسها حتى اليوم. المعلومات تشير إلى أن صايان كان مرشحًا لهذا المنصب، لكن تورطه في الفضيحة عطل تعيينه.

