تتجه الأنظار إلى التحركات السياسية والعسكرية بالتزامن مع قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، وسط سعي كل من تركيا وفرنسا إلى إعادة رسم موقعيهما داخل التوازنات الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي استغل فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انعقاد قمة الناتو في أنقرة للمطالبة بإنهاء القيود المفروضة على التعاون الدفاعي مع بلاده، كثفت فرنسا تحركاتها في سوريا عبر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة تعكس محاولة لاستعادة النفوذ الفرنسي في المشرق العربي.
وأكد أردوغان، خلال افتتاح أعمال القمة السادسة والثلاثين للناتو في المجمع الرئاسي بأنقرة، أن الحلفاء يجب ألا يفرضوا قيودًا على مبيعات الأسلحة أو على مشاركة الدول الأعضاء في مشاريع الصناعات الدفاعية، مشددًا على أن “القيود المفروضة بين الحلفاء، ولا سيما في مجال الصناعات الدفاعية، ينبغي أن تُرفع بالكامل”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يتصدر فيه ملف الإنفاق العسكري وزيادة إنتاج الأسلحة جدول أعمال الحلف، وسط ضغوط أمريكية متواصلة على الدول الأوروبية لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
أنقرة تسعى لإنهاء العزلة الدفاعية
تعكس مطالب أردوغان استمرار مساعي أنقرة لإنهاء القيود الغربية التي فرضت عليها خلال السنوات الماضية، بعدما استبعدتها الولايات المتحدة من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35 Lightning II عقب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، كما فرضت واشنطن عقوبات على هيئة الصناعات الدفاعية التركية بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا عبر العقوبات (CAATSA)، إلى جانب قيود أوروبية على صادرات السلاح إثر العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا.
غير أن لقاء أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش القمة حمل مؤشرات على إمكانية تخفيف هذا التوتر، بعدما أبدى ترامب استعداد واشنطن للنظر في إعادة بيع مقاتلات F-35 لتركيا ورفع العقوبات الأمريكية، وهو ما قد يشكل تحولًا مهمًا في العلاقات الدفاعية بين البلدين.
التزام تركي برفع الإنفاق العسكري
وفي سياق متصل، أعلن أردوغان أن تركيا تعتزم رفع إنفاقها الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030، بما يتيح لها بلوغ هدف الإنفاق الدفاعي والأمني البالغ 5% قبل خمس سنوات من الموعد الذي حدده الحلف لعام 2035.
ويأتي هذا الالتزام في إطار المساعي التركية لتعزيز موقعها داخل الناتو، وإظهار قدرتها على تحمل مسؤوليات أمنية أكبر، خاصة وأن الجيش التركي يعد ثاني أكبر جيوش الحلف من حيث عدد القوات.
رسالة إلى أوروبا بشأن مشاريع الدفاع
كما وجه أردوغان رسالة مباشرة إلى الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مطالبًا بعدم استبعاد الدول غير الأعضاء في الاتحاد، وعلى رأسها تركيا، من المشاريع الدفاعية الأوروبية الجديدة، وعلى رأسها برنامج SAFE الهادف إلى تمويل الإنتاج الدفاعي المشترك وسد الفجوات العسكرية الأوروبية.
وترى أنقرة أن استبعادها من هذه المبادرات يضعف التكامل الدفاعي داخل الناتو، خصوصًا في ظل امتلاكها قاعدة صناعية عسكرية متنامية وقدرات متقدمة في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.
غير أن مشاركة تركيا في هذه البرامج لا تزال تواجه اعتراضات من اليونان وقبرص بسبب الخلافات المزمنة مع أنقرة في بحر إيجه وقضية قبرص.
الموقف التركي من أوكرانيا وإيران وغزة
وفي الملفات الإقليمية، أكد أردوغان استمرار دعم بلاده لأوكرانيا، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قنوات الاتصال مع روسيا لتشجيع جهود التسوية السياسية، معلنًا مواصلة مساهمة تركيا في تلبية الاحتياجات العسكرية العاجلة لكييف ضمن آليات الناتو.
كما أشاد بالمواقف الأمريكية الداعية إلى الحلول الدبلوماسية في الأزمة الإيرانية، معلنًا استعداد تركيا للمشاركة في عمليات إزالة الألغام من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة عالميًا.
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، شدد الرئيس التركي على أن حل الدولتين لا يزال السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، داعيًا إلى وقف التصعيد في كل من غزة ولبنان.
ماكرون يتحرك في سوريا قبل قمة الناتو
في المقابل، تكتسب زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا أهمية استراتيجية بالغة، ليس فقط لتوقيتها الذي يسبق قمة حلف شمال الأطلسي، بل لأنها تعكس محاولة فرنسية لإعادة تثبيت الحضور السياسي والاقتصادي لباريس في المشرق العربي، في مواجهة تنامي أدوار الولايات المتحدة وتركيا والقوى الإقليمية الأخرى.
وتسعى فرنسا، عبر هذه التحركات، إلى تقديم رؤية متكاملة لإعادة الانخراط في الملف السوري، تقوم على المزج بين الدبلوماسية الاقتصادية وتقديم الضمانات السياسية والأمنية، بما يسمح لها باستعادة جزء من نفوذها التقليدي داخل المنطقة، والمشاركة في رسم ترتيبات المرحلة المقبلة في سوريا.
وتشير هذه التحركات إلى أن باريس تحاول استثمار التحولات الإقليمية والدولية لإعادة تموضعها كلاعب مؤثر في مستقبل سوريا، بالتوازي مع التحركات التركية داخل الناتو لإعادة صياغة علاقاتها الدفاعية مع الحلفاء الغربيين، بما يعكس احتدام المنافسة بين القوى الدولية على رسم معالم النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط.

