أثار إعلان شركة ريبكون (REPKON) الدفاعية التركية عن تغيير اسم فرعها في الولايات المتحدة موجة جديدة من النقاش السياسي والاقتصادي في تركيا، بعدما ارتبط اسم الشركة بصفقات ذخائر أميركية موجهة إلى إسرائيل في ظل الحرب الدائرة في قطاع غزة. ويكشف هذا التطور عن تداخل معقد بين الصناعات الدفاعية العالمية والخطاب السياسي الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الضغوط الداخلية والخارجية.
إعادة تسمية الفرع الأميركي
أعلنت الشركة التابعة في الولايات المتحدة، المعروفة سابقاً باسم Repkon USA، أنها غيرت اسمها رسمياً إلى Paligen Technologies وأوضحت أن هذه الخطوة تهدف إلى إنشاء “هوية سوقية مستقلة ومتميزة” وتجنب الالتباس بشأن ارتباطاتها المؤسسية.
وجاء هذا القرار بعد أيام من إعلان الحكومة الأميركية أن الشركة كانت المتعاقد الرئيسي في صفقة طارئة لتزويد إسرائيل بآلاف القنابل الجوية. وقد اعتُبر تغيير الاسم محاولة لإعادة التموضع في السوق الأميركية وتقليل تداعيات الجدل السياسي الذي أثير حول الصفقة.
صفقة القنابل والقرار الاستثنائي في واشنطن
كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت أن الوزير ماركو روبيو وافق على تجاوز إجراءات مراجعة الكونغرس المعتادة لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وهو إجراء استثنائي يتيح تمرير صفقات الأسلحة بشكل عاجل.
وبموجب القرار، وافقت واشنطن على بيع إسرائيل ما قيمته 151.8 مليون دولار من هياكل القنابل الجوية من طراز BLU‑110A/B bomb body بوزن ألف رطل. وتشمل الصفقة نحو 12 ألف وحدة من هذه القنابل، على أن يتم توفير جزء منها من مخزونات الجيش الأميركي، بينما يُنتج الجزء الآخر عبر خطوط الإنتاج والتوريد.
وجرى إدراج فرع الشركة التركية في مدينة غارلاند بولاية تكساس كمتعاقد رئيسي في هذه الصفقة، ما دفع اسمها إلى الواجهة في سياق سياسي حساس.
صفقة سابقة عززت الجدل
لم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها اسم الشركة في صفقات الأسلحة المرتبطة بإسرائيل. ففي إخطار طارئ آخر صدر في فبراير 2025، أعلنت وكالة التعاون الأمني الدفاعي موافقتها على صفقة ذخائر ودعم عسكري لإسرائيل بقيمة 675.7 مليون دولار.
وشملت تلك الصفقة شراء مئات القنابل من طراز MK‑83 bomb بوزن ألف رطل، إضافة إلى آلاف القنابل من طراز BLU-110A/B، فضلاً عن خمسة آلاف مجموعة توجيه من نظام ذخيرة الهجوم المباشر المشترك الذي يحول القنابل التقليدية إلى ذخائر موجهة بدقة. وفي هذه الصفقة أيضاً ظهر اسم الشركة التركية إلى جانب شركة بوينج بوصفهما متعاقدين رئيسيين.
توسع سريع في السوق الدفاعية الأميركية
بالتوازي مع هذه الصفقات، كانت الشركة التركية تعزز حضورها الصناعي داخل الولايات المتحدة. ففي أبريل 2025 أعلنت استحواذها على منشأة في مدينة غارلاند بولاية تكساس كانت تابعة لشركة جنرال دايناميكس للذخائر والأنظمة التكتيكية، وهي منشأة تنتج مكونات معدنية تستخدم في الصناعات الدفاعية والفضائية.
وقبل تغيير الاسم، كانت الشركة تشير على موقعها الإلكتروني إلى أنها تزود الجيش الأميركي ودولاً حليفة بهياكل القنابل من سلسلة MK‑80 series bomb، وهي إحدى أكثر الذخائر الجوية استخداماً في القوات الجوية الغربية.
هذا التوسع يعكس محاولة الشركات الدفاعية التركية الاندماج في سلاسل التوريد العسكرية الغربية، خصوصاً في السوق الأميركية التي تعد الأكبر عالمياً في قطاع الصناعات الدفاعية.
ردود فعل سياسية داخل تركيا
إعلان الصفقة أثار انتقادات حادة داخل تركيا، إذ اعتبر معارضون أن تورط شركة تركية في إنتاج ذخائر تُستخدم في الحرب على غزة يتناقض مع خطاب الحكومة التركية الداعم للفلسطينيين.
لطالما قدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه بوصفه أحد أبرز المنتقدين للسياسات الإسرائيلية، وخاصة خلال الحرب في غزة. ولذلك اعتُبر ظهور شركة تركية ضمن المتعاقدين في صفقات تسليح لإسرائيل مصدر إحراج سياسي داخلي.
وفي مواجهة هذه الانتقادات، قالت الشركة إن التغطية الإعلامية للصفقة تعكس ما وصفته بحملة منسقة تستهدفها، مشيرة إلى أن عملياتها في الولايات المتحدة تتم ضمن إطار قانوني وتجاري مستقل.
جدل أوسع حول العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل
القضية أعادت أيضاً تسليط الضوء على العلاقات الاقتصادية غير المباشرة بين تركيا وإسرائيل. فقد ارتفعت واردات إسرائيل من النفط الأذربيجاني الذي يُنقل عبر ميناء جيهان التركي إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات خلال عام 2025، رغم إعلان أنقرة في عام 2024 فرض حظر تجاري على إسرائيل.
هذا التباين بين الخطاب السياسي والتدفقات الاقتصادية أثار انتقادات من أطراف سياسية داخل تركيا، اعتبرت أن السياسات الاقتصادية لا تعكس بالكامل المواقف السياسية المعلنة.
صناعة الدفاع التركية بين السياسة والسوق
تكشف هذه القضية عن معضلة تواجهها الصناعات الدفاعية في الدول الصاعدة عسكرياً، حيث تتداخل اعتبارات السياسة الخارجية مع متطلبات السوق العالمية. فالشركات الدفاعية الكبرى غالباً ما تعمل ضمن شبكات إنتاج متعددة الجنسيات، ما يجعل الفصل بين الهوية الوطنية والأنشطة التجارية أمراً معقداً.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تغيير اسم الفرع الأميركي للشركة التركية باعتباره محاولة لإعادة صياغة صورتها المؤسسية في سوق شديد الحساسية سياسياً، خاصة في ظل تزايد التدقيق الدولي في صفقات السلاح المرتبطة بالصراعات الإقليمية.
خلاصة
تغيير اسم الفرع الأميركي لشركة الدفاع التركية يعكس محاولة لاحتواء تداعيات سياسية واقتصادية نجمت عن ارتباطها بصفقات ذخائر لإسرائيل. وتكشف القضية في الوقت نفسه عن التوتر المستمر بين الخطاب السياسي في المنطقة وشبكات التجارة العالمية في قطاع الصناعات العسكرية.

