أصدر القضاء التركي قرارًا باعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، على خلفية تحقيقات تتعلق بتهم الفساد، في حين لا يزال القرار القضائي بشأن التهم المرتبطة بالإرهاب قيد الانتظار. وتأتي هذه التطورات في ظل تحقيقات واسعة النطاق تستهدف عددًا من المسؤولين في بلدية إسطنبول الكبرى، بمن فيهم رئيس بلدية شيشلي، رسول أمراه شاهان، ونائب الأمين العام للبلدية، ماهر بولات، ومدير معهد الإصلاح، محمد علي تشاليشكان.
تفاصيل القضية والاتهامات الموجهة
التحقيقات المتعلقة بملف “التوافق المدني” والارتباط بمنظمات إرهابية
يواجه إمام أوغلو وثلاثة مسؤولين آخرين اتهامات تتعلق بـ”تقديم الدعم لتنظيم إرهابي مسلح” عبر ما يُعرف بمشروع “التوافق المدني”، حيث تشير لائحة الادعاء إلى أن المتهمين تورطوا في إدراج عناصر محسوبة على “مؤتمر المجتمع الديمقراطي الكردي” (HDK) في مناصب حساسة داخل البلدية الكبرى، ما يزعم أنه يمثل اختراقًا لمؤسسات الحكم المحلي من قبل مجموعات ذات ارتباطات بتنظيم “حزب العمال الكردستاني” (PKK/KCK).
تستند النيابة العامة في اتهاماتها إلى تقارير تفيد بأن بعض المسؤولين المحليين الذين تم تعيينهم قبيل الانتخابات البلدية الأخيرة كانوا أعضاءً سابقين في “مؤتمر المجتمع الديمقراطي”، وهو ما وصفته السلطات بأنه مخطط لتعزيز “الحكم الذاتي الديمقراطي” داخل بلديات المدن الكبرى. كما تتضمن لائحة الاتهام سجلات اتصال هاتفية (HTS) تشير إلى تواصل إمام أوغلو مع 138 شخصًا لهم سوابق في قضايا إرهابية، بينما تشير بيانات مماثلة إلى اتصالات بين رسول أمراه شاهان و90 شخصًا، وماهر بولات مع 116 شخصًا، ومحمد علي تشاليشكان مع 38 شخصًا.
ملف الفساد: اختلاس ورشوة وتلاعب في المناقصات
بالإضافة إلى قضية الإرهاب، يواجه إمام أوغلو ومساعدوه اتهامات متعلقة بالفساد خلال فترة رئاسته لبلدية إسطنبول الكبرى. وتُشير تحقيقات هيئة التفتيش بوزارة الداخلية التركية إلى مخالفات مالية وإدارية جسيمة تتعلق بعمليات المناقصات العامة، والتمويل غير المشروع، واستغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية.
وتضمنت التحقيقات مراجعة إفادات الشهود، وتقارير وحدة الجرائم المالية (MASAK)، وتحليلات السجلات الضريبية، والبيانات المصرفية، وسجلات عقود المناقصات، حيث تم الكشف عن عمليات فساد ممنهجة تضمنت منح عقود حكومية بشكل غير قانوني، والتلاعب في آليات تقديم العطاءات، واستلام رشى وعمولات مقابل تسهيل الحصول على المشاريع العامة. كما كشفت التحقيقات أن بعض الممتلكات والعقارات التي تم الاستحواذ عليها بطرق مشبوهة قد سُجّلت بأسماء رجال أعمال متعاونين مع إمام أوغلو ومقربين منه.
ومن بين أبرز الأسماء المتورطة في القضية، مدير الإعلام في بلدية إسطنبول، مراد أونغون، الذي ورد اسمه في التحقيقات بسبب تورطه في شبهات فساد تتعلق بشركة “ميديا A.Ş” و”ثقافة A.Ş“، حيث أظهرت الأدلة أن هذه الشركات لعبت دورًا في التلاعب بالمناقصات العامة واستخدام وسائل الإعلام المحلية لخدمة أهداف سياسية مقابل تمويل غير مشروع.
ردود إمام أوغلو والمساعدين على الاتهامات
خلال استجوابه أمام النيابة العامة، رفض أكرم إمام أوغلو جميع التهم الموجهة إليه، واصفًا إياها بـ”المفبركة وغير المستندة إلى أدلة حقيقية”. وأكد أن طبيعة عمله كرئيس بلدية تجعله على تواصل مستمر مع مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية، مما يفسر تواصله مع عدد كبير من الأفراد دون أن يكون لذلك دلالة قانونية.
وفيما يتعلق باتهامات الفساد، شدد إمام أوغلو على أن جميع الإجراءات المالية والإدارية التي اتخذها خلال فترة ولايته تمت وفق القوانين واللوائح المرعية، مؤكدًا أن تحقيقاته المالية مفتوحة وشفافة ولا يوجد فيها أي شبهة جنائية. كما أبدى استغرابه من الطريقة التي جُمعت بها الأدلة، مشيرًا إلى أن الاستناد إلى “صور فوتوغرافية” كدليل إدانة يعكس افتقار التحقيقات إلى أساس قانوني متين. وقال في إفادته: “أنا رئيس بلدية منتخب بإرادة 16 مليون مواطن، وإنه لأمر مخزٍ أن يُطلب مني تفسير صوري مع أشخاص في مناسبات عامة.”
بدوره، نفى مراد أونغون أي صلة له بشبهات الفساد، مشيرًا إلى أن جميع القرارات المالية الخاصة بالبلدية تخضع لرقابة صارمة من الجهات المختصة، كما دحض ادعاءات التورط في اجتماعات سرية مع رجال أعمال، مشيرًا إلى أن “جميع تعاملاته مهنية وموثقة بالأوراق الرسمية.”
الانعكاسات السياسية والقانونية للقضية
تمثل هذه القضية واحدة من أكبر التحديات التي تواجه إمام أوغلو، الذي يعتبر من أبرز الشخصيات المعارضة في تركيا وأحد المنافسين المحتملين في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد أثارت هذه التطورات ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية التركية، حيث اعتبر حزب الشعب الجمهوري (CHP) هذه الاتهامات “محاولة لإقصاء إرادة الناخبين من خلال وسائل قانونية مسيّسة.”
من جهتها، زعمت النيابة العامة أنها “تمضي قدمًا في التحقيقات وفق مقتضيات القانون، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية”، مشيرةً إلى أن القضية ما زالت مفتوحة، وأن عمليات التوسع في التحقيقات قد تشمل شخصيات أخرى خلال الفترة المقبلة.
ومع استمرار الإجراءات القانونية، يترقب الشارع التركي التطورات القادمة، وسط تساؤلات حول مدى تأثير هذه القضية على المشهد السياسي في البلاد، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

