فتحت النيابة العامة التركية تحقيقاً رسمياً بحق رئيس بلدية أنقرة السابق، مليح غوكشيك، من الحزب الحاكم، على خلفية اتهامات تتعلق بنقل أموال غير معلنة إلى خارج البلاد.
ويأتي هذا التحرك القضائي في أعقاب تقارير صحفية كشفت عن استثمارات عقارية بمليارات اليورو في ألمانيا ولوكسمبورغ، تبيّن أنها مرتبطة بأفراد من عائلته.
تحرك قضائي “تلقائي” لاستجلاء الحقيقة
أعلن مكتب المدعي العام في العاصمة التركية أنقرة أن التحقيق بدأ بمبادرة ذاتية من النيابة “للوقوف على الحقيقة المادية” الكامنة خلف المزاعم التي تداولتها وسائل إعلام محلية.
وفي تطور متصل، أكد الصحفي مراد أغريل، الذي فجّر القضية من خلال تقاريره الاستقصائية، أن الادعاء العام تواصل معه رسمياً طالباً منه الإدلاء بشهادته بصفته شاهداً في القضية. وأوضح أغريل أنه يعتزم المثول أمام قصر العدل في أنقرة لتقديم إفادته، تليها إحاطة للرأي العام بما تسمح به الحدود القانونية.
بلدية أنقرة تصعّد قضائياً: اتهامات بـ”تأسيس تنظيم” وتبييض أموال
وفي خطوة تصعيدية لافتة، تقدمت بلدية أنقرة الكبرى بشكوى جنائية رسمية ضد رئيسها السابق مليح غوكشيك، وعائلته، وعدد من البيروقراطيين السابقين في البلدية، بالإضافة إلى رجال أعمال. وشملت لائحة الاتهامات ممارسات ثقيلة من بينها “تأسيس وإدارة تنظيم إجرامي“.
وأشارت بلدية العاصمة في طلبها الذي أودعته لدى النيابة العامة في السابع من أغسطس/آب المنصرم، إلى أن مفتشيها وثقوا تجاوزات ومخالفات صريحة تتعلق بنحو ستين مناقصة عامة أُبرمت خلال حقبة إدارة غوكشيك. ووجهت البلدية اتهامات تشمل تلقي الرشاوي، والتواطؤ والتلاعب في العطاءات والمناقصات الحكومية، فضلاً عن تبييض وغسل الأموال والأصول الناجمة عن تلك الممارسات غير القانونية. كما لوّحت إدارة البلدية الحالية باللجوء مجدداً إلى القضاء لتقديم حزمة جديدة من الشكاوى الجنائية بناءً على التقارير المتواصلة لمفتشيها.
تفاصيل الصفقات العقارية المثيرة للجدل في أوروبا
ارتكزت التحقيقات الصحفية التي نشرها أغريل في صحيفة “جمهوريت” اليومية وقناة “أونلار تي في” على يوتيوب، على تتبع استثمارات عقارية ضخمة لعائلة غوكشيك في القارة الأوروبية.
فمن جهة، كشفت الوثائق أن شركة ألمانية مملوكة لزوجة ابن غوكشيك، هوليا غوكشيك، قامت بالاستحواذ على عقار بمدينة دوسلدورف بقيمة بلغت ثلاثة ملايين و850 ألف يورو (ما يعادل أربعة ملايين ونصف المليون دولار)، على الرغم من أن رأس المال التأسيسي للشركة عند إنشائها لم يكن يتجاوز ثلاثين ألف يورو. وتثير هذه الصفقة تساؤلات حول طبيعة التمويل، لاسيما وأن سجلات الشركة تشير إلى أن الأموال تدفقت من داخل الأراضي التركية.
ومن جهة أخرى، تشير التقارير الاستقصائية إلى مساعٍ ومفاوضات موازية شملت صفقة عقارية لم تكتمل في ألمانيا بلغت قيمتها ثمانية ملايين ونصف المليون يورو (نحو تسعة ملايين وثمانمائة ألف دولار). وبالتوازي مع ذلك، خاض نجل غوكشيك، أحمد، وزوجته مباحثات لشراء مركز تجاري ضخم في لوكسمبورغ تُقدّر قيمته بنحو مائة وثمانين مليون يورو (حوالي مائتين وثمانية ملايين وثمانمائة ألف دولار)، غير أن تلك المساعي لم تكلل بالنجاح في نهاية المطاف.
غوكشيك يدافع ويبرر مصادر التمويل
من جانبه، سارع مليح غوكشيك، السياسي المخضرم المنتمي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، إلى إبداء استعداده التام للتعاون مع التحقيق عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي. وذكر غوكشيك في تدوينة له على منصة “إكس”: “بإذن الله، ليس لدي ما عجزت عن تفسيره أو محاسبتي عليه. سأقدم كل المعلومات المطلوبة للادعاء العام، وكل ثقتي في العدالة التركية”.
ورغم نفيه القاطع لارتكاب أي مخالفات قانونية، أقرّ غوكشيك بحدوث بعض هذه المعاملات والمفاوضات العقارية بالفعل. ونقل الصحفي سنان بورهان عبر شاشة قناة “تي في 100” عن غوكشيك قوله إن نجله موّل تلك الاستثمارات في ألمانيا بطرق مشروعة؛ عبر بيع عقار وسيارة يملكهما في تركيا، ثم تحويل الأموال عبر القنوات المصرفية الرسمية، بالإضافة إلى الحصول على قروض بنكية. كما أكد غوكشيك أن ابنه سافر بالفعل إلى لوكسمبورغ لدراسة صفقة المركز التجاري، لكن المشروع لم يُستكمل ولم يتم الشراء.
في المقابل، اعتبر الصحفي مراد أغريل أن توضيحات غوكشيك تمثل في حد ذاتها إقراراً وتأكيداً على صحة الجوانب الجوهرية للتحقيق الاستقصائي، لكنها تظل قاصرة عن تقديم تفسير مقنع ومثبت لمصادر تلك التمويلات الكبيرة.
إرث سياسي طويل وصراعات بلدية مستمرة
شغل مليح غوكشيك منصب رئيس بلدية أنقرة طيلة ثلاثة وعشرين عاماً متواصلة، منذ عام 1994 وحتى عام 2017. واضطر غوكشيك لتقديم استقالته بناءً على رغبة صريحة من الرئيس رجب طيب أردوغان، ضمن حملة لإحلال وجوه جديدة في بلديات كبرى يديرها حزب العدالة والتنمية.
وعقب فوز المعارض منصور يافاش برئاسة بلدية العاصمة في عام 2019، شرعت إدارة البلدية الجديدة في تقديم عشرات الشكاوى الجنائية ضد غوكشيك بشأن إنفاق المال العام والمشاريع الحكومية التي نُفذت إبان عهده، غير أن غالبية تلك الشكاوى لم تسفر عن ملاحقات قضائية فعالة حتى الآن.
وفي سياق ذي صلة، رُفض طلب في وقت سابق للتحقيق في شكوى تقدمت بها البلدية تتهم غوكشيك بإساءة استخدام السلطة والإهمال البيئي. وزعمت الشكوى حينها أن قرضاً بقيمة 536 مليون ليرة تركية (نحو 11 مليون دولار) خُصص لإعادة تأهيل محطة “تاتلار” لمعالجة مياه الصرف الصحي خلال فترة إدارته، قد جرى توجيهه لأغراض أخرى ولم يُستخدم في المشروع المذكور، وقد أغلقت القضية بالكامل قبل أن يتسنى للادعاء العام استجواب رئيس البلدية السابق.

